فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 536

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) }

(باب: الوصل والفصل بين المفردات)

وباب الفصل والوصل بين المفردات أو بين الجمل بابٌ دقيق المجرى لطيف المغزى جليل المقدار كثير الفوائد غزير الأسرار. وقد تنبّه العلماء قديمًا لدقة هذا الباب، وجعلوه البلاغة بأسرها؛ حيث سُئل أحدهم عن البلاغة فقال: البلاغة معرفة الفصل من الوصل، كذا ذكره الجاحظ في (البيان والتبيين) .

وقال عبد القاهر في (الدلائل) :"واعلم أنه ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول فيه: إنه خفي غامض ودقيق صعب، إلا وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب". والوصل معناه العطف، أي عطف الكلام بعضه على بعض، سواءٌ أكان هذا العطف للمفردات أم للجمل، وسواءٌ أكان بالواو أو بغيرها كالفاء وثم وأو، والفصل هو ترك العطف، هذا ما ذكره السكاكي.

ولكن البلاغيين جرت عادتهم في حديثهم عن الفصل والوصل أن يتجاوزوا عطف المفردات وعطف الجمل التي لها محل من الإعراب، معللين ذلك بأن عطف المفردات وكذلك الجمل التي لها محل من الإعراب أمره هيّن ويسير؛ إذ لا يُقصد به سوى مجرد التشريك في الحكم الإعرابي، أما دقة الفصل والوصل فإنما تظهر في الجمل التي لا محل لها من الإعراب.

كما تجاوز البلاغيون العطف بغير الواو قائلين: إن الواو من بين حروف العطف هي التي لا تفيد سوى مجرد الإشراك في الحكم ومطلق الجمع، فالعطف بها دقيق مشكِل، أما غيرها من حروف العطف فتفيد مع التشريك في الحكم معانيَ أخرى؛ فالفاء تفيد الترتيب والتعقيب، وثم تفيد الترتيب والتراخي، وأو تفيد تردد الفعل بين شيئين أو التخيير أو الإباحة؛ ولذا لم يشكَل العطف بتلك الأحرف، وهذا الذي ذكروه وإن كان لا يخلو من الصحة، إلا أننا لا نُعدم وجوهًا دقيقة وأسرارًا خفية نجدها كامنة وراء العطف بغير الواو، كما أننا لا نُعدم وجوهًا أدق وأسرارًا أخفى تكمن وراء عطف المفردات والجمل التي لها محل من الإعراب، انظر مثلًا إلى قول الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (المؤمنون: 12 - 14) .

تجد أن الجمل قد وُصِلت في الآيات الكريمة بحرفي العطف ثم والفاء، ووراء الوصل بهذين الحرفين تكمن الدقائق واللطائف، فقد بدأت بالخلق الأول خلق آدم - عليه السلام - من طين، ولما أُريد وصله بالخلق الثاني - خلقِ التناسل - عطف عليه بـ ثم، لما بينهما من التراخي، ثم تحدثت الآيات عن أطوار الخلق فوصلت خلق العلقة بالنطفة بـ ثم لما بينهما من التراخي ثم توالت الأطوار؛ خلق المضغة فالعظام فكساء العظام لحمًا، موصولةً بالفاء حيث لم يكن هناك تراخٍ بينها، ثم وصل تسويته إنسانًا بكساء العظام لحمًا بحرف العطف ثم، إشارة إلى التراخي بينهم، كذا ذكره العلوي في (الطراز) .

فإنك عندما تتأمل ما عطف بـ ثم، تجده أدق وأبعد مما عطف بالفاء، فقد نزّل الاستبعاد عقلًا أو رتبةً منزلة التراخي والبعد الحسي، فعطف بـ ثم، ونزّل القرب عقلًا أو رتبة منزلة القرب الحسي فعطف بالفاء، انظر في ذلك (روح المعاني) للألوسي ثم جاء قوله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (المؤمنون: 14)

معطوفًا بالفاء على تلك الجمل التي جلّت أطوار الخلق في هذا النظم المبدع؛ لتنبه الإنسان إلى ما يجب عليه من المبادرة والإسراع إلى تعظيم الله - عز وجل - والإشادة بحسن خَلقه وعجيب صنعه؛ ولهذا نطق أكثر من صحابي بختام الآيات الكريمة: تبارك الله أحسن الخالقين، قبل أن يمليها النبي - صلى الله عليه وسلم - لكاتب الوحي، ويبتسم النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلا: (( هكذا نزلت ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت