فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 536

{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ...(125)}

فقد قابلت الآية بين الهداية وشرح الصدر، وبين الضلال وضيق الصدر، والآية تعزية وتسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما يلاقيه من عناد الكفار وغرورهم، فهي إخبار من الله لرسوله ألا يهتم بأمرهم ولا يحزن عليهم، فالأمر كله لله، فمن أراد هدايته للحق وتوفيقه للخير فإنه يشرح للإسلام صدره، ويوسّع للقرآن قلبه، فعند ذلك يستنير الإسلام في قلبه ويتسع له صدره.

وقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شرح الصدر فقال: (( هو نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له وينفسح، فقالوا: فهل لذلك من أَمارة يعرف بها؟ قال - صلى الله عليه وسلم: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ) ).

أما من فسدت فطرته وساءت نفسه إذا طُلِب إليه أن ينظر في الدين ويدخل فيه يجد في صدره ضيقًا وأي ضيق؛ وذلك لما استحوذ عليه قلبه وامتلأ من سيئ التقاليد والحسد، والعناد والكبر والغرور، وهذا الصنف تكون إجابة الداعي عنده ثقيلة على نفسه جدًّا، فيشعر بضيق شديد وحرج كثير، كأنه كُلف من الأعمال ما لا يطيق أو أُمر بصعود السماء. وواضح أن المقابلة أدت حقها في تأدية هذا المعنى والوفاء به، وأبرزت كلا الفريقين وحاله في الصورة التي أرادها الله لهما مما يبعث الطمأنينة ويزيل الحسن من نفس الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -.

ومن جيد المقابلة ما جاء منها في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد مر بنا بعض أمثلته؛ من ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: (( تعِس عبد الدينار وعبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن منع سخط، تعس وإذا شيك فلا انتقش ) )فقد قابل في الحديث بين: (( أعطى ) (( رضي ) )من جانب، وبين: (( منع ) (( سخط ) )من جانب آخر، فجاءت المقابلة رائعة خلابة.

ومن جيد المقابلة قول الإمام علي - رضي الله عنه - في خطابه لعثمان - رضي الله عنه:"إن الحق ثقيل مري والباطل خفيف وبي"، فقابل الحق بالباطل والثقيل المري بالخفيف الوبي، ومن ذلك ما جاء من قول الحجاج بن يوسف حين أراد قتل سعيد بن جبير، فلما أحضر إليه أمر من كبّه ثم قال: مَن أنت؟ فقال: أنا سعيد بن جبير فقال: بل أنت شقي بن كسير، فقابل سعيدًا بشقي، وجبيرًا بكسير، قال العلوي معلقًا على هذه المقابلة وجودتها: كأن الحجاج من المعدودين في الفصاحة والمشار إليهم في البلاغة.

ومن جيد المقابلة وألطفها قول رجل لمعاوية يعزيه في وفاة بنت له: الحمد الله الذي أكرمها بوقوفك على قبرها، ولم يخزها بوقوفها على قبرك.

ومن ذلك قول الحسن - رضي الله عنه:"ما رأيت يقينًا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت". ومن كلام بعض البلغاء: من أقعدته نكاية اللئام أقامته إعانة الكرام، ومن ألبسه الليل لون ليل ظلمائه نزعه النهار عنه بضيائه.

ومن الأشعار مما جاءت فيه المقابلة جيدة رائعة قول أبي تمام:

قد يُنعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

فقابل بين ينعم والبلوى وبين يبتلي والنعم.

ومنه كذلك قول الآخر:

لعمرك ما الإنسان إلا ابن دينه ... فلا تترك التقوى اتكالًا على النسب

فقد رفع الإسلام سلمان فارسًا ... وقد حط بالشرك النسيب أبو لهب

حيث قابل بين رفع والإسلام وسلمان الفارسي من جهة، وبين حط والشرك وأبي لهب من جهة ثانية، فجاءت مقابلته جميلة رائعة.

وهكذا نلحظ - من خلال ما سبق ذكره - أن دائرة المقابلة تتسع لتشمل ما كان من تقابل بين المعاني الحقيقية وما كان في معناها، كما تتسع دائرته لتشمل كذلك ما توافق عدده وما اختلف.

وبعد هذا التطواف حول هذا اللون من ألوان البديع لنا أن نتساءل عن الفرق بين المقابلة وبين كل من مراعاة النظير والطباق؟ وهل يشترط التناسب بين المعاني المتقابلة؟ وما هو الأثر الذي يحدثه هذا الصبغ البديعي في بلاغة الكلام؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت