وهذا هو شأن الواو عندما تأتي بين الجمل التي بينها كمال اتصال وقوة ترابط؛ لأن ما فيها من معنى التغاير الذي لا يبرحها ينعكس على هذه الجمل، فيوهم أنها معانٍ متمايزة ومختلفة، فوراء ذلك تكمن الأسرار والدقائق اللطيفة، وانظر إلى قول الله تعالى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (الشعراء: 153، 154) ثم إلى قوله - عز وجل - في نفس السورة عن قوم شعيب: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (الشعراء: 185 - 187) تجد أن الواو قد ذُكرت بين جملتي: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} (الشعراء: 153، 154) في مقالة أصحاب الأيكة لشعيب، وتُركت في مقالة ثمود لصالح.
ويُعلل الزمخشري ذلك بقوله:"فإن قلت: هل اختلف المعنى بإدخال الواو ها هنا وتركها في قصة ثمود؟ قلتُ: إذا أُدخلت فقد قصد معنيان كلاهما منافٍ للرسالة عندهم؛ التسحير والبشرية، وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرًا ولا يجوز أن يكون بشرًا، وإذا تُركت الواو لم يُقصد إلا معنى واحد وهو كونه مسحّرًا، ثم قرر بكونه بشرًا مثلهم". كذا في (الكشاف) . وكأن أصحاب الأيكة أرادوا أن يُعددوا في مقالتهم الأسباب المنافية للرسالة؛ ولذا أضافوا: {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} (الشعراء: 186) فصارت الأسباب ثلاثة: كونه مسحرًا وكونه بشرًا وكونه من الكاذبين، أما ثمود فكأنهم لم يقصدوا تعدادًا لهذه الأسباب؛ ولذا ذكروا سببًا واحدًا وهو كونه مسحرًا، ثم قرروه بكونه بشرًا.