فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 536

{وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ(36)}

وتأمل قول الله تعالى في آية أخرى: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ}

تجد أنه نكرت الرحمة: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً} ، وعبر عن الإذاقة بالماضي: {أَذَقْنَا} ، واستعملت"إذا"؛ وذا للدلالة على أن إذاقة الناس قدرًا قليلًا من الرحمة أمر مقطوع به، ثم استعملت"إن"والمضارع: {تُصِبْهُمْ} ، ونكرت السيئة {تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} ؛ لإفادة أن إصابة السيئة لهم أمر غير مقطوع به، فالله - عز وجل - لا يؤاخذهم بما كسبوا بل يعفو عن كثير: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} (فاطر: 45) .

وتأمل معي قول الله تعالى: {إِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} (الروم:33، 34) ، وتأمل مع ذلك قوله - عز وجل: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} (فصلت: 51) تجد أن قوله - عز من قائل: {أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً} ، {أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ} مقطوع بوقوعه، وهذا واضح كما بينا في الآيتين السابقتين؛ ولذا استعملت إذا في الموضعين، أما قوله تعالى:، {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ} (المعارج: 20) .

قد يلتبس عليك التعليق بـ"إذا"فيهما، وتقول: إن مس الضر أو الشر ينبغي أن يكون نادرًا وغير مقطوع بوقوعه، فالموضع هنا موضع إن لا إذا، ولكن هذا الالتباس سرعان ما يزول عندما تتأمل السياق في الآيتين، وتعرف أن الحديث عن الإنسان الكافر الذي إذا مسه شر أو ضر دَعَا ربه منيبًا إليه، دعاه دعاءً عريضًا، فإذا ما أنعم الله عليه أعرض ونأى بجانبه وكفر بأنعم ربه. ولهذا توعدهم الله - عز وجل: {فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} (النحل: 55) .

فمثل هذا الكافر ينبغي أن يكون مس الضر أو الشر له في حكم المقطوع به، وتلاحظ التعبير بلفظ المس في الآيتين هو أقل من الإصابة أو الإذاقة، ثم تنكير الضر وتعريف الشر بـ"أل"الجنسية المفيدة أي نوع من أنواع الشر، فإذا ما أضفتَ ذلك إلى الإنسان المتحدث عنه، وقد وقفت على حقيقته تيقنت أن الشرط ينبغي أن يكون مجزومًا به ومقطوعًا بوقوعه.

وعندما تتأمل الشعر الجيد، تجد للتعليق بهاتين الأداتين موقعًا لطيفًا، ومذاقًا حلوًّا. اقرأ مثلًا قول أبي الطيب المتنبي:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أكرمت اللئيم تمردا

تجده قد استخدم إذا في جانب إكرام الكريم، فدل على أنه أمر محقق، وينبغي أن يوجد دائمًا وأن يقع كثيرًا، ثم استخدم إن في جانب إكرام اللئيم، فدل على أنه نادرًا ما يقع؛ لأن النفوس تنفر من اللئام وتأبَى إكرامهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت