وعلى ما ألمحنا: فإن الجملة الثانية المؤكدة للأولى، إما أن تكون بمثابة التوكيد اللفظي وهو ما يكون مضمون الجملة الثانية فيه مؤكدًا لمضمون الجملة الأولى لاتفاق مفهوميهما كما رأينا في قوله: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} (الطارق: 17) وكما في الآية الكريمة: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} (البقرة: 2) فجملة {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} يتفق مفهومها مع جملة {ذَلِكَ الْكِتَابُ} ؛ لأن الكمال فيهما كمالٌ في الهداية كما رأينا، وإما أن تكون الثانية مُنزّلة من الأولى منزلة التوكيد المعنوي، وهو أن يختلف مفهوم الجملتين، ويكون معنى الثانية مقرِرًا لمعنى الأولى على نحو ما رأينا في الشواهد المذكورة، وهذا يعني أن الجملة الثانية تَتضمن معنى جديدًا ولكنه يؤكد معنى الأولى.
وتأمل قوله في الآية التي ذكرناها: {كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا} (لقمان: 7) تجد أن الجملة الثانية تحمل معنى جديدًا يخالف معنى الأولى، ولكنه يؤكده ويقرره، ومثله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} (البقرة: 2) فجملة {لَا رَيْبَ فِيهِ} تحمل معنى جديدًا هو نفي الريب عن القرآن، وهذا المعنى يُؤكد ويقرر معنى الجملة الأولى {ذَلِكَ الْكِتَابُ} .
ومن أقوالهم في هذا قول المتنبي:
وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدًا
فالشطر الأول لم يعطف على الشطر الثاني؛ لأنهما قد اتحدا في المعنى واللفظ، ومن ثم فلا حاجة إلى وصلهما بالواو لقوة الرابطة وشدة الاتصال بينهما. الصورة الثانية: أن تكون الجملة الثانية مُنزلة من الأولى منزلة بدل الكل أو البعض أو بدل الاشتمال. من ذلك قوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} (الشعراء: 132 - 134) فقد فُصِلت الجملة الثانية {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ} عن الأولى {أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} ؛ لأن الثانية بمثابة بدل البعض من الأولى؛ حيث إن النعم الأربع المذكورة بعضٌ من النعم التي يعلمونها، فبين الجملتين ترابطٌ قوي وكمال اتصال لا تحتاج معه إلى ربط بالواو، ومثل ذلك قوله تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} (الرعد: 2) فقوله: {يُفَصِّلُ الْآيَاتِ} بدل بعض من قوله: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} ؛ لأن تدبير الأمر يشمل تفصيل الآيات وغيره.