بلادهم من عصر سمته التخلف والاستبداد إلى عصر آخر أكثر تقدما واستنارة واحتراما لحقوق الإنسان.
لم أصدق عيني وأنا اقرأ الشهادات والوثائق التي تحدثت عن أوضاع اليمن بعد 40 سنة من الثورة، التي يفترض أنها بدأت صفحة جديدة في تاريخ البلاد، تلبي الحد الأدنى من أشواق الناس وأحلامهم.
تماما كما أنني لم أصدق أنني حين سمعت خطبة الرئيس اليمني في يوم 30/ 11 (في ذكرى جلاء البريطانيين عن عدن) التي شدد فيها على أن المؤسسة العسكرية وحدها الحاكمة والحامية للجمهورية والوحدة والتقدم في اليمن، وهو ما اعتبرته زلة لسان، لأنه إذا صح ذلك، فمعناه أن الثورة خلال أربعين عاما أو أكثر لم تنجح في أن تؤهل الشعب لكي يشارك في الحكم، ويحرس الجمهورية والوحدة والتقدم، معناه أيضا أن الوضع الراهن يراد له أن يستمر أربعين سنة أخرى.
لقد تناقلت وكالات الأنباء في الخامس من شهر سبتمبر (أيلول) الماضي قرار الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بالعفو عن الذين ألقي القبض عليهم وحوكموا من الحوثيين ـ نسبة إلى حسين بدر الدين الحوثي ـ الذين انخرطوا فيما سمي بالشباب المؤمن، ووصفوا بالهاشميين تارة والزيدية تارة أخرى، وكنت واحدا من كثيرين اعتبروا القرار حكيما، وتهيؤا لفتح صفحة جديدة تنهي الصراع المحزن الحاصل في منطقة صعده، والذي حذرت في مقالة سابقة من تحويله إلى «دارفور أخرى» .
غير أن التقارير التي تلاحقت بعد ذلك أجمعت على أن القرار لم يدخل حيز التنفيذ، وأن الذين أطلق سراحهم كانوا في حدود 50 شخصا من بين الأربعة أو الخمسة آلاف، وأدهشني ما سمعته من أحد المحامين اليمنيين أنه سأل الجهات المختصة في صنعاء عن سبب عدم الإفراج عن بقية المعتقلين، فسمع ردا يقول بأن قرار العفو كان مجرد خطبة سياسية، وأنه لم يصدر مكتوبا، وردا آخر يقول بأن العفو قصد به الأبرياء الذين لم يشاركوا في الأحداث التي وقعت (أي الذين ليسوا بحاجة إلى عفو) .
جاءت الاشتباكات المسلحة التي وقعت في الأسبوع الماضي، لتؤكد أن التوتر لا يزال مستمرا، وأن العفو لم يؤخذ على محمل الجد، وبالتالي فإن احتمالات تفجير الموقف وتوسيع نطاق المواجهة في الشمال اليمني لم تتراجع، خصوصا أن ثمة محاكمة جارية الآن أمام محكمة أمن الدولة المنصوبة في صنعاء، لعناصر من «الشباب المؤمن» وصفوا بأنهم «خلية صنعاء» التي اتهمت بالتحضير لأعمال تخريبية في العاصمة.