فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 991

قطز موافقة الحاضرين واقتناعهم انتهز فرصة خروج الأمراء للصيد، وألقى القبض على المنصور وأمه وأخيه، وأمسك بزمام الأمر بنفسه، فجلس على عرش مصر في 24 ذي القعدة 657هـ 1259م، فلما رجع الأمراء أنكروا عليه فعلته، وخشي من غضبتهم، فحاول إقناعهم قائلًا:"إني ما قصدت إلاّ أن نجتمع على قتال التتار، ولا يتأتى ذلك بغير ملك، فإذا خرجنا وكسرنا هذا العدو، فالأمر لكم أقيموا في السلطنة من شئتم"، وأخذ يرضي الأمراء حتى تمكن منهم واستتب له الأمر. ومقولته هذه تبين استراتيجيته وعزمه على الخروج لملاقاة هذا العدو منذ البداية، ولم يكن خروجه مجرد رد فعل.

رسل المغول:

ورد قطز دأب المغول على بث الرعب في قلوب أعدائهم، فأرسلوا بسفارة إلى مصر، تحمل رسالة يطلبون فيها الاستسلام ولم تخل من تهديد ووعيد وإهانة؛ فورد فيها:"سلموا لنا الأمر تسلموا، قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا، وقد سمعتم أننا أخربنا البلاد وقتلنا العباد، فكيف لكم الهرب، ولنا خلفكم الطلب؟ فما لكم من سيوفنا خلاص ... عددنا كالرمال، فمن طلب حربنا ندم ... فلا تهلكوا أنفسكم بأيديكم".

فما كان من قطز إلاّ أن حبس الرسل واستشار الأمراء والعلماء، فأيد أكثرهم الحرب وعارض قليل منهم. وجد قطز أن بديل الحرب .. الاستسلام والخضوع والذل والمهانة، ففضل القتال، ففيه إحدى الحسنييّن: إما النصر والعزة والكرامة ورفع راية الإسلام، ومن ثَمّ إنقاذ العالم الإسلامي من براثن التتار، وإما الاستشهاد في حومة الوغى، وبعدها جنة ونعيم. فجاء رده على سفارة المغول أقوى وأبلغ، إذ مزق الرسالة وذبح حامليها على غير عادة المسلمين مع الرسل وعلقهم على باب زويلة؛ لا لشيءٍ إلاّ لشحذ الهمم وإزالة ما تركه النبأ من رعب وهلع في نفوس المسلمين، فوضع بذلك البلاد على طريق الحرب عند نقطة اللاعودة. فكان الاستعداد بهذه الطريقة البداية الحقيقية للنصر.

وقد يكون لأصول قطز دخل في هذا الموقف الصلب، إذ تروي بعض المصادر أنه ينتمي إلى البيت الخوارزمي، واسمه محمود بن ممدود، خاله السلطان جلال الدين خوارزم شاه الذي ضاع ملكه على يد المغول، وأن قطز كان ضمن أطفال خطفهم التتار وباعوهم في أسواق النخاسة، فاستقر به المقام في مصر، ضمن مماليك المعز أيبك.

ولكن مما لا شك فيه أن لأسلوب تربيته الأثر الأكبر في هذا الموقف، حيث حرص بنو أيوب على جلب عدد كبير من المماليك في سن صغيرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت