تباعًا، وهو ما فتح الباب واسعًا لإنفاق مليارات الدولارات، واستنزاف أموال الناس وإغراقهم في الديون، دون انتباه كاف إلى حجم المغامرة ـ المقامرة إن شئت الدقة ـ في الموضوع.
لقد أطلقت تنبيهًا وتحذيرًا من الانجراف وراء هذه الصرعة مرتين في أعقاب إعصار تسونامي الذي ضرب السواحل الآسيوية في بداية العام الحالي، وأشاع فيها الخراب والدمار، على النحو الذي يعرفه الجميع. وشجعني على ذلك نفر من الخبراء العرب، الذين أزعجتهم هرولة من يملكون ومن لا يملكون نحو إلقاء أموالهم في البحر، استجابة لإغواء شركات الاستثمار، التي ما برحت تدغدغ مشاعر الناس وتشجعهم على الانتقال من حياة البر والاستمتاع بالحياة وسط مياه البحر وهي العملية التي تتكلف مبالغ طائلة، تصل إلى عشرة أضعاف تكلفة البناء في البر.
لم تمل تلك الشركات من نشر الإعلانات التي حاولت فيها طمأنة أصحاب الأموال إلى أن الأمر خضع لدراسات واسعة النطاق، حصنت المشروع ضد تقلبات الدهر. وليس عندي ما يبرر التشكيك في تلك المعلومات، إلا أن التجارب التي نعرفها دلت على أن نسبة المغامرة في العملية تظل قائمة، وأن كل الاحتياطات التي تتخذ لا يمكن أن تضمن صمود عمليات البناء في البحر أمام كافة الاحتمالات، حيث يظل البحر خارج السيطرة في نهاية المطاف. في الوقت ذاته لا يغيب عن فطنة القارئ أن كل من يروج سلعة يسعى إلى المبالغة في تصوير حسناتها وجدواها، ويغض الطرف عن عمد أو غير عمد عن مساوئها. الأمر الذي يدعوني إلى القول بأنه مع كل الاحترام والتقدير لما نشر على ألسنة الخبراء من حجج وبيانات مطمئنة ومشجعة في الموضوع، إلا أنه لا تزال هناك آراء مقابلة لخبراء تدحض ما يسوقونه من حجج وترد على كل ما يستندون إليه من بيانات ودراسات، وهو ما دعاني في مرة سابقة إلى اقتراح عقد طاولة مستديرة تضم خبراء الفريقين لاستجلاء غوامض الأمر والتوصل إلى اتفاق حول النقاط الخلافية فيه. ومن أسف أنه تم تجاهل الدعوة، لكني لا أستطيع في هذا المقام أن أتجاهل حقيقة أن الشركات التي تبنت فكرة البناء في البحر توافرت لها مكاسب خرافية.
إن المرء لا يستطيع أن يكتم دهشته وهو يرى تهافت الناس على تبديد أكبر ثروة وإلقائها في البحر، في حين أن الأرض من حولهم واسعة، والصحاري مترامية الأطراف، بوسعهم أن يعمروها ويستمتعوا بخيراتها، ولا يدفعون لقاء ذلك سوى عشر ما يرمونه في البحر لاقتناء بيوت تحيط بها المخاطر التي لا تخفى على كل ذي عينين.