العرب في بيانها وتصاريف استعمالها للألفاظ والمباني وإقامة الحجة عليهم بالقرآن ومطالبتهم من أجل ذلك بالإيمان بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وفي هذا السياق بين العلماء أنه لا معنى لتحدي العاجز وأن التحدي يعني بداهة أن العرب الذين عاصروا نزول الوحي قد وصلوا في البيان والتفنن في ضروب المعاني والبلاغة إلى أعلى درجات الإمكان ومع ذلك فقد عجزوا وبهروا واستسلموا للتحدي غير قادرين على رده وكان شأوهم في هذا قول العاجز المستكبر:"قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا". ومن هنا يقرر الإمام الجرجاني في"دلائل الإعجاز"أن الجهة التي قامت منها الحجة بالقرآن وبانت وبهرت هي أن كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر، وكان محالًا أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب وعنوان الأدب، ثم بحث عن العلل التي بها كان التباين في الفضل.
وقد كتب الأستاذ محمود محمد شاكر فصلًا قيمًا ممتعًا في إعجاز القرآن وجعله تقديمًا لكتاب الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي - رحمه الله -. وفي هذا الفصل يقرر الأستاذ شاكر أن الشعر الجاهلي هو أساس مشكلة إعجاز القرآن فهو الشاهد والدليل على مكانة العرب في البيان ومن ثم فهو يدعونا كما دعا الإمام الجرجاني من قبل إلى التعمق والمعايشة للشعر الجاهلي حتى نتلمس القدرة البيانية التي يمتاز بها أهل الجاهلية عمن جاء بعدهم ومستنبطين من ضروب البيان التي أطاقتها لغتهم وألسنتهم، فإذا تم ذلك فمن الممكن القريب يومئذ أن نتلمس في القرآن الذي أعجزهم خصائص هذا البيان المفارق لبيان البشر.
وهنا لابد أن نذكر أن المطابقة التامة بين التحدي القرآني وما اصطلح عليه علماء البلاغة باسم"إعجاز القرآن"بدلالته ومحتواه اللغوي البياني البلاغي حصرًا، هي مطابقة غير مسلّمة وهذا هو ما أريد أن أسجل فيه بعض الملاحظات والتي آمل من خلالها أن يفتح هذا الملف المهم وتعود القضية إلى أصلها القرآني بأفقها الواسع الممتد فيما وراء خصوصيات عصر الرسالة.
فإذا كان التحدي الذي أعلنه القرآن مستمر وقائم إلى قيام الساعة، وأن هذا التحدي هو للبشر جميعًا في كل عصورهم وعلى اختلاف ألسنتهم وألوانهم، فأي معنى لهذا التحدي إذا كان الناس فيما وراء عصر النبوة غير قادرين على فهم وتذوق ومعرفة لغة العرب، ومن ثم فهم غير قادرين على معرفة خصائص بيان القرآن وبلاغته والذي أصبح به القرآن معجزًا (حصرًا) حسب قول علماء البلاغة؟ وأي معنى لتحدي الإنس والجن أن