يأتوا ببيان لا يعرفه ولا يفهمه عشر معشارهم ممن خلق الله من وراء أمة العرب؟
لقد تحدى القرآن العرب ومن ورائهم الجن والإنس أن يأتوا بمثل القرآن أو بسورة من مثله، وجاءت الآيات التي ذكر فيها التحدي في سياق خطاب القرآن للناس كافة أو بصيغة العموم التي لا تفيد الحصر بأمة العرب خاصة. ففي سورة البقرة جاء قوله - تعالى:"وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين"في سياق خطاب القرآن للناس كافة"يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون". وقول الله - تعالى -في سورة يونس:"أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين"جاء في سياق قوله - تعالى:"وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله". ومعلوم أن الدعوى بافتراء القرآن لم يتفرد بها مشركو العرب، بل هي دعوى اليهود والنصارى وغيرهم من أمم الأرض عبر العصور. وقول الله - تعالى -في سورة هود:"أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين"جاء في سياق خطاب القرآن للإنسان اليؤوس الكفور والذي يشمل بالطبع من خاطبهم القرآن أول مرة، ولكن صيغة العموم لا تنفي أن يكون المقصود بالتحدي كل من سولت له نفسه من المعاندين والمكابرين أن يدّعي افتراء القرآن ويتهم الرسول في صدق معجزته من ربه. وآية سورة الإسراء:"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا"هو خبر في معنى التحدي للإنس والجن جميعًا متظاهرين. والأمر الآخر الذي نلاحظه في آيات التحدي بالإضافة إلى عموم الخطاب هو أن الله - سبحانه وتعالى-تحدى المرتابين والمكذبين أن يأتوا بمثل القرآن أو بسورة من مثله وترك هذه (المثلية) دون تحديد ليكون موضوعها ومجالها هو ما يختاره المرتابون وما يحددونه هم من مجالات يظنون أنهم يمتلكون فيها الخبرة والتفوق ومن أجل ذلك يستطيعون حشد الشهداء والأعوان الأكفاء.
فعندما واجه القرآن العرب بهذا التحدي أول مرة لم يكن لهم مما يدلّون به ويعتقدون لأنفسهم فيه المكانة والإبداع والتمكن إلا بيانهم ولغتهم وفصاحتهم وبلاغتهم، فأعجزهم القرآن وبهرهم في شيء اعتقدوا أنهم يمتلكون ناصيته. ومن هنا فإن كل ما سطره العلماء في شرح وتفصيل بلاغة القرآن وروعة بيانه ومفارقته لبيان البشر وما كان من شأن العرب