فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 991

ولهذا لما كانت روح الأمة عزيزة بإيمانها، كانت تنتصر دائما بعدد أقل من عدوها، لأنها كانت منتصرة أصلا قبل خوض المعركة، ولهذا فحتى لو سقط الجسد صريعا في هذه المعركة فإن سقوطه ليس سوى إعلان الانتصار، حتى نهانا الله - تعالى -أن نصف الشهيد بالميت، (ولاتقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) لان روح الشهيد قد حققت الإنتصار الأعظم، فارتقت من سفول الدنيا إلى أعلى مقام، فهي في قناديل معلقة بالعرش، وأي انتصار أعظم من هذا الانتصار لو كانوا يعلمون.

ولهذا أيضا فإن الروح إن حققت الإنتصار الأعظم على الشيطان والتعلق بالدنيا، فهي منتصرة على الطاغوت، وإن تلفت الأجساد في هذه المعركة، فهي ليست سوى آلات تحقق بها النصر، كما في قصة أصحاب الأخدود، فإنهم كانوا (يتعادون ويتدافعون في النار) كما في صحيح مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه -، متلفين أجسادهم في انتصارهم الروحي الأعظم على الطاغوت.

ولما كان الصوم تدور معانيه على التخلص من شهوات الدنيا، كما في الحديث (يدع طعامه وشرابه وشهوته من اجلي) ، حتى إن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، مما يعكس قوة الصلة بين الصائم وربه، فيجعل العبد في اتصال وثيق متفاعل بين جسده على الأرض، وبين ربه في علوه على العرش، ليحقق بذلك سر التقوى.

لما كان الأمر كذلك، كانت أعظم حكمة الصوم هو تحقيق انتصار الروح، في معركتها الكبرى مع الشيطان، وهي أول وأهم خطوة في الإنتصار، في معركة الإسلام مع أعداءه.

ولهذا فإن أهم ما يجب أن يهتم به العلماء، والخطباء، والوعاظ، في هذا الشهر العظيم ـ وهو أهم من بيان مبطلات الصوم، وآداب الفطور، والسحور .. إلخ وكل ذلك مهم أيضا ـ أمران: ـ

أحدهما: التذكير بمعاني ومفاهيم وحدة الأمة، وتميّزها بولاءها لبعضها، عن غيرها من الأمم، ووجوب إلغاء كل السدود والحدود التي وضعها عدوها ليفرقها، وربط المسلمين جميعا، بمعاناة الأمة، فبلادها محتلة في فلسطين، و أفغانستان، والعراق، ومهيمن عليها في كل بلاد الإسلام الأخرى، ممزقة، مُتَحكّم بإقتصادها، مسلوبة الإرادة السياسية.

وأن أهم رسالة صوم رمضان، وجوب السعي في جهاد متواصل لتغيير هذا الواقع الأليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت