فهرس الكتاب

الصفحة 461 من 991

وليس ذلك ببعيد. أيها المؤمنون إن المرء بالحسد يقع في ألوان من الذنوب والآثام أعلاها الكفر بالله وأدناها كراهة الخير لعباد الله فلله كم جر الحسد على الخلق من الرزايا والبلايا، فهل أخرج إبليس عن فضل الله ورحمته إلى سخطه ولعنته إلا الحسد؟ وهل قتل قابيل أخاه هابيل إلا بالحسد؟ وهل أعرض أكثر صناديد الكفر عن اتباع الأنبياء والرسل إلا بالحسد؟ وهل نقم اليهود والنصارى على أمة الإسلام إلا لأجل الحسد؟ وهل استطال أقوام لبسوا لباس السنة والاتباع في أعراض أهل السنة من العلماء والدعاة وأهل الصحوة والدعوة إلا حسدًا على ما آتاهم الله من فضله كما قال الله - تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) (2) .

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا *** سعيه فالقوم أنداد له وخصوم

أيها المؤمنون إن النبي - صلى الله عليه وسلم - حذر أمته الحسد وعظم أمره في أحاديث كثيرة منها ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا ) ) (3) رواه الشيخان واللفظ لمسلم، وقد بين لنا - صلى الله عليه وسلم - شدة إفساده لدين العبد فقال - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه الترمذي بسند لا بأس به عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - مرفوعًا: (( دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء وهي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر ) ) (4) .

وقد أخبرنا - صلى الله عليه وسلم - إفنائه للحسنات وإفساده للطاعات فعن أبي هريرة وعبد الله بن كعب - رضي الله عنهما - قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ) ) (5) رواه أبو داود وغيره بسند جيد.

أيها المؤمنون إن الحسد الذي ورد في السنة ذمُّه والتحذير منه، هو أن يحب المرء زوال نعمة الله عن المحسود. أما محبة مساواة غيره في الخير والفضل أو حتى الامتياز عليه كأن تحب أن يكون لك من الخير والفضل كما لفلان أو أفضل منه دون أن تزول النعمة عنه فهذا من التنافس في الخير وليس من الحسد المذموم ومنه قوله - تعالى -عند ذكر نعيم الجنة: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) (6) ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق ) ) (7) رواه الشيخان.

عباد الله احذروا الحسد فإنه داء عضال فتاك لا يوقر كبيرًا لكبره ولا شريفًا لشرفه ولا عالمًا لعلمه بل يطرق قلب الصغير والكبير والشريف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت