والوضيع والعالم والجاهل فطهروا قلوبكم منه واحرصوا على قطع أسبابه وإزالة دواعيه فإن النجاة منه فوز أكيد
فإن تنج منه تنج من ذي عظيمة *** و إلا فإني لا إخالك ناجيا
أيها المؤمنون؛ إن مما يزهدك في الحسد ويعينك على تركه أن تعلم أن الحاسد مضاد لله - تعالى -ومحاد له في قدره وشرعه فبالحسد سخطت قضاء الله - تعالى -وكرهت نعمته التي قسمها بين عباده واعترضت على عدله الذي أقامه في ملكه بخفي حكمته ولطيف صنعه فاستنكرت ذلك واستبشعته، وهذا والله نقص في توحيد الله الواحد الديان، وقذى في عين الإيمان.
فلله ما أخبث هذه النفس التي عصت الله في أمره، وتقدمت بين يديه في قضائه، وقدره (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (8) .
ومما يعينك أيضًا على تطهير قلبك من هذه الخطيئة أن تعلم أن الحاسد أول ضحايا الحسد، فإن الحاسد معذب مهموم مغموم حتى قيل: لم نرَ ظالمًا أشبه بمظلوم من الحاسد. وقد وصف بعضهم حال الحاسد فقال: طول أسف ومحالفة كآبة وشدة تحرق فهو مكدر النعمة لا يجد لها طعمًا، يرى كل نعمة على الخلق نقمة عليه، فهو طويل الهم دائم السخط منغص العيش، وهذه عاجل عقوبته؛ هم وغم بغير اجتلاب دنيا مع ذهاب الدين فلا دنيا حصل ولا دينًا أبقى، ولذا فإن بعض المحسودين يدعو الله أن يبقي حساده ليطول عذابهم حتى قال أحدهم:
أبقى لي الله حسادي وغمهم *** حتى يموتوا بداء غير مكنون
ومما يعيننا أيها الإخوة على تطهير قلوبنا من الحسد أن نعلم أن الحسد يهيج أنواعًا من الذنوب والخطايا فيكثر شركك ومعاصيك، فبالحسد تقع في الغيبة، وبه تتبع عورات المسلمين بل عورات المتقين والعلماء العاملين والدعاة الناصحين فتبحث عن السقطة والزلة وتشيع الهفوات و الهنات بحجة النقد وبدعوى التصحيح والنصح وغير ذلك من الدعاوى التي يتشبث بها بعض مرضى القلوب مما عشش في قلوبهم من الغل والحسد والحقد ويأبى الله إلا أن يذل ويفضح من عصاه
تكاشرني كرهًا كأنك ناصح *** وعينك تبدي أن قلبك لي دوي
بدا منك عيب طالما قد كتمته *** أذابك حتى قيل هل أنت مكتوي
ومما يعيننا على محاربة الحسد والتخلي منه علمنا أن الحاسد مخذول محروم فلا يكاد يظفر بمراده ولا يظفر على عدوه فالحسود غير منصور