فهرس الكتاب

الصفحة 487 من 991

رسالة إلى أصحاب الأمنيات

عبد المحسن بن سليمان المنيع

قال الشاعر:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه *** تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

فتسبح بخيالك الخواطر والأفكار، وتحلق فيه الرغبات، وتقفز بك الأمنيات في عالم بعيد، فتسيح بك عبر ذلك العالم المترقب المأمول والمنتظر المجهول، فتجاوز بك وتتعدى أرض الواقع، لتقلك بخيالات بعيدة عبر ساحات الأفق الشاسعة التي لا تنحصر بمحدود، ولا تقبل أو تخضع أو ترضى بحدود، فتنقلك في تفاوت لا محدود من واقعك المعاش إلى أبعاد متفاوتة لا تتسع معها لعل أو حتى ليت وقد تتراجع بك إلى مسافات قد تعداها واقعك.

فالأمنية عالم غريب وعجيب، فما أمنيتك يا صاح؟ وأي مبلغ وصلت بك أفكارك وهواجسك؟ فلنمسك بكراسة الحياة كي نتجول بين أوراقها وصفحاتها عبر أمنيات الناس في هذا الوقت الذي تتفاوت بينهم علو الأمنية ودنوها، ولنحاول إعادة الشريط لتلك السفينة المشرعة في بحر لجي، لنقف على مطاراتها وأين حطت طائراتها؟

فنجد من سمقت به الأمنية إلى أعالي الجبال وذراها، كما نجد من هوت به الأمنية إلى الحضيض ومهاوي الحفر، فمن أمنيته ممكنة الحصول متيسرة لمن بذل أقل مجهود، ومن أمنيته صعبة لا يمكن أن تنال ولو بذل غاية الجهد.

هيا لنتنقل بين أماني الكثيرين، وما عسانا نجدها؟

* فمن غاية مبتغاه سيارة من الماركة الفلانية والطراز العلاني.

* ومن هو دون ذلك إذ لا تتعدى أمانيه ساحة بطنه أو مقر استراحته.

* ومن أمنيته فوز فريقه وحصوله على بطولة معينة.

* ومنهم من أمنيته حصوله على شيء من حطام الدنيا الزائل.

* ومن تنحط به أمنيته إلى المعاصي والرذائل والفواحش.

ولو دخلت فصلا مزدحمًا بالطلاب وعشت معهم لحظات لتعرف أمنياتهم لسمعت العجب العجاب، فأمنيات قصيرة، وطموحات ركيكة، وغايات صغيرة.

فيا للعجب كيف يضيع الواقع وتضيع معه الأماني عند كثير من الناس، فلا أدركَ واقعًا حسنًا يهنأ به، ولا رفعَ أمنيته لمستويات رفيعة حسًا ومعنى.

إن للأمنية سببًا في تغيير مجرى الحياة لتأثيرها على الطموح.

فلنرفع مستواها لنصل إلى قدر كبير منها ولا نقصرها على الدون، فقد لا نحصل على أي جزء منها، قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لأحد أبنائه: تمن، قال: أتمنى أن أكون مثلك، قال له: لا، ولكن تمن أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت