وكل كريهة ترفع، أو مكرمة تكتسب لا تتحقق إلا بالشجاعة. وبقوة القلب يقتحم المرء الأمور الصعاب، وبقوة القلب يتحمل أثقال المكاره، وبقوة القلب تنفذ كل عزيمة أوجبها الحزم والعدل (2) .
ولن يُستلَّ الخوف من القلب إلا بصدق اليقين والإيمان. قال - تعالى: [وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا] [الجن: 13] . وأهل التوحيد الخالص هم أعظم الناس قوة وثباتًا، وكيف يخاف من أمَّنه الله - تعالى - وهداه؟! قال الله - تعالى - على لسان إبراهيم - عليه الصلاة والسلام: [وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] [الأنعام: 81، 82] ؛ ولهذا ترى المؤمن يقبل على الله ـ - تعالى - ـ بقلب ثابت ثبوت الجبال الرواسي لا يخاف إلا الله - عز وجل -، وإن الجبن آفة سائدة تنخر القلوب المريضة، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ منه في دعائه قائلًا: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن ... الحديث» (1) .
فما وجفت تلك القلوب ولم تكن *** كأخرى لها من هدة الرعب زلزال
رجال رسا الإيمان ملء نفوسهم *** فلا الجبن منجاة ولا البأس قتَّال
ولا الموت مكروه على العز ورده *** ولا العيش مورود إذا خيف إذلال
تداعوا فقالوا: حسبنا الله إنه *** لما شاء من نصر الهداة فعَّال
لقد خلع الخوف قلوب كثير من الناس في هذا الزمان، وارتعدت فرائصهم جبنًا وهلعًا، لِمَا رأوا من اجتماع الحشود الكافرة، وهم يبعدون عنهم مفاوز؛ فهل يمكن أن تنتصر أمة شلّها الخوف والهلع بهذه الصورة المحبطة .. ؟! وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «شرُّ ما في رجل: شح هالع، وجبن خالع» (2) .
رابعًا: ادعوني أستجب لكم:
إن الدعاء من أعظم الأسلحة التي تظهر بركتها عند التحام الصفوف واحتدام القتال؛ فهو استغاثة بمن لا يُردُّ قضاؤه، ولا يهزم جنده، وقد أمر الله - عز وجل - باللجوء إليه في مثل هذه المواطن خاصة. قال الله - تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] [الأنفال: 45] . وقال - تعالى: [أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء] [النمل: 62] ، وقد كان من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يستغيث بالله - تعالى -، ويستجير به بإلحاح، ويطلب منه المدد والعون، وخاصة عندما يحمى الوطيس؛ ففي غزوة بدر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في قبَّة: