وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على الحر من وقع الحسام المهنَّدِ
لكن المؤمن الحق لا يفتُّ ذلك في عضده؛ فهو واثق الخطى، خالص التوكل، عظيم الثبات، يلهج لسانه بقوله الله ـ تعالى: [فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ] [التوبة: 129] ، وقوله - تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] [الأنفال: 64] .
إن الاستسلام لإرجاف الناس، وتخذيل المخذلين يجر الإنسان إلى حضيض الانتكاس، ويسقطه في دركات الهزيمة، وقد حفظ الله - تعالى - أولياءه من ذلك؛ فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (1) . والناظر في سير الأنبياء ـ عليهم أزكى الصلاة والسلام ـ يجد أنهم ثبتوا على الحق، وعضوا عليه بالنواجذ، على الرغم مما أصابهم؛ فها هو ذا أبو الأنبياء إبراهيم الخليل ـ - عليه الصلاة والسلام - ـ يصدع بالحق، ويعلن براءته من قومه ومن معبوداتهم. قال الله - تعالى: [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ] [الممتحنة: 4] .
سابعًا: من القلب إلى المجاهدين القدامى في المعارضة الشمالية:
لقد وقف المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها معكم عندما رفعتم راية الجهاد في سبيل الله لمواجهة الشيوعيين، وكان الناس ينظرون إليكم بإكبار وإعزاز؛ فالتضحيات التي قدمتموها كانت تضحيات جليلة أحيت في الأمة علم الجهاد. ثم لمَّا حصل ما حصل من التنابذ والصراع بين الفصائل الجهادية ضاقت صدور المسلمين بذلك؛ فثمرة الجهاد كادت أن تصبح سرابًا .. ! وازداد ضيقهم لمَّا كان بعض المنتسبين إلى الجهاد يسقطون في لعبة التوازنات السياسية ويتحالفون مع الشيوعيين تارة ومع الغرب تارة أخرى، وكان يصدر من بعضكم كلامًا شديدًا في حق هؤلاء (2) ، ثم دارت الأيام وحصل التنازع والتهارش، وتحزبت الجموع هنا وهناك لأغراض لا تخفى عليكم .. ولكن ما كنا نظن أن الجسد الواحد سيصيبه هذا الشرخ النازف؛ فها هم بعض المجاهدين القدامى (!!) يعودون لقتال إخوانهم، لتحقيق مكاسب دنيوية حزبية وقبلية وشخصية رخيصة .. !
على رِسْلكم أيها الناس! أليس من المخجل جدًا أن يضع المسلم يده بيد الأعداء لحرب إخوانه .. ؟! ألم تقاتلوا تلك السنين المتتابعة، وتضحوا تلك