وأذن لي أن أذكرك مرة أخرى أن تقصيري وإياك في طاعة ربنا أو خطئي وإياك في سلوكنا لا يحللنا أبدا من هذه المسئولية الكبرى ولا يعفينا من هذه القضية الخطيرة انظر يا رعاك الله إلى هذين الموقفين:
وأرجو أن تنظر إليهما نظرة فاحصة.
وأن تجعلهما تحت مجهر بصيرتك.
الموقف الأول:
خبر كعب بن مالك ـ رضي الله عنه ـ حيث وقع هذا الصحابي في خطأ كبير، وهو التخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حين نفر إلى الجهاد في غزوة تبوك ولمعرفة خطر هذا الذنب تأمل قول الله ـ عز وجل ـ (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما، ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا) "التوبة: 39".
ويعود النبي - صلى الله عليه وسلم -، من غزوته تلك، ويسائل كعبا"ما خلفك يا كعب؟"فيجيب بالصدق:"و الله ما كان لي من عذر".
ويأتي حكم الله في كعب أن يجتنبه الناس فلا يكلموه، فإذا به يطوف في الأسواق لا يشرق له وجه ببسمة، ولا تنبس له شفة بكلمة، وطالت عليه جفوة الناس حتى صار حاله كما وصف الله: (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم) "التوبة: 118"، وكما وصف كعب نفسه:"تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت اعرف".
هنا بالذات في وسط هذه المعاناة النفسية الشديدة بين ألم القطيعة، وجفوة الناس إذا به يتلقى رسالة ملكية من ملك غسان يقول فيها:"انه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار مهانة، فالحق بنا نواسك"، إنها رسالة من ملك! يعرض عليه أن يلحق به ليكون من رجال البلاط، وحاشية الملك وليتمتع بعد ذلك بكل ما في القصور من ترف، وكل ما يعمرها من لذة.
انه عرض يسيل لعاب أفواه كثيرة بعيدا عن هذه الضغوط والمعاناة، فكيف بمن يتلقى هذه العرض وهو يعاني ألم القطيعة ومرارة الهجران؟!.
فكيف تلقى كعب هذا العرض؟!!
انه لم يفكر في الأمر كثيرا أو قليلا، لم يقل لحامل الرسالة دعني أتدبر أمري وارجع إليك الجواب غدا، كلا إن قضية الولاء للإسلام كانت محسومة عنده ليست محل بحث أو مراجعة، ولذا فما إن قرأ هذه الرسالة حتى قال: (وهذه أيضا من البلاء، ثم تيمم بالرسالة الملكية التنور فسجرها فيه) .