إلا بالله، يقول حين يقع في الشر: لا عذر لي في معصية الله، مستسلم حين يطلب، ضعيف في نفسه، قوي حين يقع في الشر، لائما لأمره، ليس القدر بأحق عنده بأنه ظالم حين يعصي ربه إن رأى أن أحدهما أحق من صاحبه، سفه الحق وجهل دينه، لا يجد عن الإقرار بالقدر مناصا، ولا عن الاعتراف بالخطيئة محيصا، فمن ضاق ذرعا بهذا فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (2) فوالله لا يجد بدا من أن يضرع إلى الله ضرع من يعلم أن الأمر ليس إليه، ويعتذر من الخطيئة اعتذار من كأنها لم تقدر عليه، فلا تملكوا أنفسكم جحد القدرة، ولا تعذروها بالقدر فرارا من حجته، ضعوا أمر الله كما وضعه ألا تفرقوا بينه بعدما جمعه، فإنه قد خلط بعضه ببعض وجعل بعضه من بعض، فخلط الحيلة بالقدر ثم لام وعذر، وقد كتب بعد ذلك، فلا تملكوا أنفسكم فتجحدوا نعمته في الهدى، ولا تغلوا في صفة القدر، فتعذروا أنفسكم بالخطأ، فإنكم إذا نحلتكم أنفسكم باللائمة وأقررتم لربكم بالحكومة، سددتم عنكم باب الخصومة، فتركتم الغلو ويئس منكم العدو، فاتخذوا الكف طريقا فإنه القصد والهدى، وإن الجدل والتعمق هو جور السبيل وصراط الخطأ، ولا تحسبن التعمق في الدين رسوخا، فإن الراسخين في العلم هم الذين وقفوا حيث تناهى علمهم، وقالوا: آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب (3) ، وإن أحببت أن تعلم أن الحيلة بالقدر كما وصفت لك، فانظر في أمر القتال، وما ذكر الله عز وجل منه في كتابه تسمع شيئا عجبا، من ذكر ملك لا يغلب، ودولة تنقلب، ونصر محتوم، والعبد بين ذلك محمود وملوم، ينصر أولياءه وينتصر بهم، ويعذب أعداءه ويديلهم، يقول تعالى: قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم (4) ، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم (5) ، إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون (6) قال: وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله (7) ، فافهم ظنهم أي الفريقين أولى بهم، المضيف إلى ربه المؤمن بقدره، أم الذي يزعم أنه قد ملكه؟ فإلى نفسه وكله، فإن ظنهم ذلك إنما هو قولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا، ولكنا عصينا، ولو أطعنا ما قتلنا هاهنا، فلعمري لئن كانوا صدقوا لقد صدقت، ولئن كانوا كذبوا لقد كذبت، فقال الملك تعالى: قل إن الأمر كله لله، وقال عز وجل: قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم