حيث لا يحتسب من لا يمتنع منه مواجهة، ومن ليست له على النجاة منه قدرة، وكلا الأمرين في قدره وقضائه سواء، فهو ينفذهما في خلقه على من يشاء، لم يهلك هؤلاء قعصا ولا قهرا، اغتناما لغرتهم، ولم يستدرج هؤلاء ويمكر بهم شفقة أن يعجزوا مما أراد بهم لقدره وقضائه مخرجان: أحدهما ظاهر قاهر، والآخر قوي خفي، لا يمتنع منه شيء، ولا يوجد له مس، ولا يسمع له حس، ولا يرى له عين ولا أثر حتى يبرم أمره فيظهر، يباعد به القريب، ويصرف به القلوب، ويقرب به البعيد، ويذل به كل جبار عنيد، حتى يفعل ما يريد به، حفظ موسى عليه السلام في التابوت واليم منفوسا ونزه، يقربه من عدوه إليه للذي سبب أمره عليه، وقد قدر وقضى أن نجاته فيه. قال لأمه: فإذا خفت عليه (16) أن يأخذه فرعون فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل (17) يأخذه فرعون هنالك، لا يريد أن يأخذه إلا كذلك، فاختلجه (18) من كنه، ومن ثدي أمه، إلى هول البحر وأمواجه، وأدخل قلب أمه اليقين أنه راده إليها، وجاعله من المرسلين، فأمنت عليه الغرق، فألقته في اليم ولم تفرق، وأمر اليم يلقيه بالساحل، فسمع وأطاع، وحفظه ما استطاع، حتى أداه إلى فرعون بأمره، وقد قدر وقضى على قلب فرعون وبصره حفظه وحسن ولايته بما قضى من ذلك، فألقى عليه محبة منه ليصنعه على عينه، قد أمن عليه سطوته، ورضي له تربيته، لم يكن ذلك منه على التغرير والشفقة، ولكن على اليقين والثقة بالغلبة، يصطفي له الأطعمة والأشربة والخدم والحضان، يلتمس له المراضع شفقة أن يميته، وهو يقتل أبناء بني إسرائيل عن يمين وشمال يخشى أن يفوته وهو في يديه وبين حجره ونحره، يتبناه ويترشفه، يراه ولا يراه وقد أغفل قلبه عنه، وزينه في عينه، وحببه إلى نفسه، لمه؟ قال: ليكون لهم عدوا وحزنا (19) ، فمنه يفرق على وده لو عليه يقدر، وهو في يديه وهو لا يشعر، حتى رده بقدرته إلى أمه، وجعله بها من المرسلين، وفرعون خلال ذلك يزعم أنه رب العالمين، وهو يجري في كيد الله المتين حتى أتاه من ربه اليقين، مذعنا مستوثقا في كل مقال وقتال، يرفعه طبقا عن طبق، حتى إذا أدركه الغرق قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين (20) ، فنسأل الله تمام النعمة في الهدى في الآخرة والدنيا، فإن ذلك ليس بأيدينا، نبرأ إليه من الحول والقوة، ونبوء على أنفسنا بالظلم والخطيئة، الحجة علينا بغير انتحالنا القدرة على أخذ ما دعانا إليه إلا بمنه وفضله صراحا، لا نقول: كيف رزقنا الحسنة وحمدنا عليها، ولا كيف قدر الخطيئة ولامنا فيها، ولكن نلوم أنفسنا كما لامها، ونقر له بالقدرة