فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 991

صفة الرب العظيم الذي فاتت عظمته الوصف، والتقدير، وكلت الألسن عن تفسير صفته، وانحسرت العقول دون معرفة قدره، ودعت عظمته العقول، فلم تجد مساغا فرجعت خاسئة وهي حسير، وإنما أمرنا بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال: كيف كان؟، لمن لم يكن مرة ثم كان، فأما الذي لا يحول، ولا يزول، ولم يزل، وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن لا يبلى، ولا يموت؟ وكيف يكون لصفة شيء منه حد، أو منتهى، يعرفه عارف، أو يحد قدره واصف؟، وذلك من جلاله، فصل على أنه الحق المبين، لا حق أحق منه، ولا شيء أبين منه. الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه لا تكاد تراه صغرا يجول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر لما يتقلب به ويحتال من عقله، أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين (1) ، وخالقهم وسيد السادة وربهم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (2) ، اعرف رحمك الله غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفته قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف قدر ما وصف فما كلفك علم ما لم يصف، هل تستدل بذلك على شيء من طاعته أو تتزحزح عن شيء من معصيته؟ فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا قد استهوته الشياطين في الأرض حيران (3) ، فصار أحدها، ومنها يستدل من زعم على جحد (4) ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعمي عن البين بالخفي، بجحد ما سمى الرب من نفسه، فصمت الرب عما لم يسم منها، فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة (5) ، فقال: لا يراه أحد يوم القيامة، فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه، ونضرته إياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر (6) ، وقد قضى أنهم لا يموتون، فهم بالنظر إليه ينضرون وإنما كان يهلك من رآه حيث لم يكن يبقى سواه، فلما حتم البقاء، ونفى الموت والفناء، أكرم أولياءه بالنظر إليه واللقاء، فورب السماء والأرض ليجعلن الله رؤيته يوم القيامة للمخلصين ثوابا فتنضر بها وجوههم دون المجرمين، وتفلج بها حجتهم على الجاحدين، فهم وشيعته وهم عن ربهم يومئذ محجوبون، لا يرونه كما زعموا أنه لا يرى، ولا يكلمهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم، كيف لم يعتبر قائله بقول الله تعالى: إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (7) ؟ أيظن أن الله يقصيهم ويعذبهم بأمر يزعم الفاسق أنه وأولياؤه فيه سواء؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت