أم رأيتِ إلى قطب المغناطيس السالب التائه كيف يلتصق بالقطب الموجب حين يلقاه .. ؟!
أم تُراكِ تتأملين في وجيب الفؤادِ كيف يسكنُ إلى الحضن الحنون .. ؟!
هكذا كنتُ أنا .. وهكذا كان حديثُك ..
لا تتعجبي يا مَن بعثكِ الله على قدرٍ إليَّ .. !
فقد كان حديثُك اليوم كالقطرة الأخيرة النازلة على جلمود صخر ..
سبقتها قطراتٌ وقطرات ..
وكل قطرةٍ يحسبها الناسُ مجرد محاولات عابثةً لن تفلق الصخر ولن تكسر الحجر ..
حتى إذا ما أذن الله بما يشاء .. جاءت هاته القطرة تتهادى ..
فصار الجلمودُ العصيُ تحتها طيعًا لينًا .. !
فالحمد لله ..
الحمد لله الذي جعل من الحجارة ما تتفجر منه الأنهار ..
ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء ..
ومنها ما يهبط من خشية الله .. !
أعادت (ملاك) القلم الأحمر والورقة إلى حقيبتها المُخملية .. ثم رفعتْ رأسَها ..
كان المكان مليئًا بفتيات المصلى اللاتي ظاهرهن الاستقامةُ والصلاح ..
وهناك تجلس (سمية) .. وعن يمينها (تغريد) ..
الفتاتان اللتان دائمًا ما تُمضيان الوقت في الحافلة بالجدال والنقاش ..
منظرهما لم يتغير .. حشمةٌ وعفةٌ واستقامةٌ ينطق بها ظاهرُهما وزيُهما ..
لكن نظراتهما المصوبة إليها لم تتغير أيضًا .. هُنا في المُصلى وهناك في الحافلة ..
نظراتٌ واحدة .. لا تورث (ملاك) إلا شيئًا واحدًا:
الإحساس بالغربة .. !
-حتى هنا في بيت الله أشعر بالغربة في أقسى معانيها ..
وأقسى ما تكون الغربةُ حين تتبدى بين أهل الوطن .. !
آااه .. ليتهنّ يعلمنْ أن الهداية والاستقامة كالوطنٌ للأرواح البشرية الهائمة ..
و ستظل هاتيك الأرواح هائمةً تائهةً تشعر بالغربة؛ إن هي لمستْ من أهل وطنها ما لمستُ أنا هُنا ..
فتيات الهداية وبناتُ الاستقامة يملأن المُصلى ..
لكني في كل مرةٍ أهزم فيها الشيطان وآتي إلى هنا لا أكاد أجد منهن ترحابًا ولا ابتهاجًا .. !