و الكناية إبدال لفظة يستحى من ذكرها أو يستهجن ذكرها أو يتطير بها ويقتضي الحال رفضها لأمر من الأمور بلفظة ليس فيها ذلك المانع ومن هذا الباب قول إمرئ القيس
سموت إليها بعد ما نام أهلها
سمو حباب الماء حالا على حال
فقالت لك الويلات إنك فاضحي
أ لست ترى السمار والناس أحوالي
فلما تنازعنا الحديث وأسمحت
هصرت بغصن ذي شماريخ ميال
فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا
و رضت فذلت صعبة أي إذلال
قوله فصرنا إلى الحسنى كناية عن الرفث ومقدمات الجماع . وقال ابن قتيبة تمازح معاوية والأحنف فما رئي مازحان أوقر منهما قال
معاوية يا أبا بحر ما الشي ء الملفف في البجاد فقال السخينة يا أمير المؤمنين وإنما كنى معاوية عن رمي بني تميم بالنهم وحب الأكل بقول القائل
إذا ما مات ميت من تميم
فسرك أن يعيش فجي ء بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمن
أو الشي ء الملفف في البجاد
تراه يطوف في الآفاق حرصا
ليأكل رأس لقمان بن عاد
و أراد الشاعر وطب اللبن فقال الأحنف هو السخينة يا أمير المؤمنين لأن قريشا كانت تعير بأكل السخينة قبل الإسلام لأن أكثر زمانها كان زمان قحط والسخينة ما يسخن بالنار ويذر عليه دقيق وغلب ذلك على قريش حتى سميت سخينة قال حسان
زعمت سخينة أن ستغلب ربها
و ليغلبن مغالب الغلاب
فعبر كل واحد من معاوية والأحنف عما أراده بلفظ غير مستهجن ولا مستقبح وعلم كل واحد منهما مراد صاحبه ولم يفهم الحاضرون ما دار بينهما وهذا من باب التعريض وهو قريب من الكناية . ومن كنايات الكتاب العزيز أيضا قوله تعالى وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضًا لَمْ تَطَؤُها كنى بذلك عن مناكح النساء . ومنها قوله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ كنى عن مواقع النسل بمواقع الحرث .