أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَتْنِي مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ وَ رِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ نَمَّقْتَهَا بِضَلاَلِكَ وَ أَمْضَيْتَهَا بِسُوءِ رَأْيِكَ وَ كِتَابُ اِمْرِئٍ لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ يَهْدِيهِ وَ لاَ قَائِدٌ يُرْشِدُهُ قَدْ دَعَاهُ اَلْهَوَى فَأَجَابَهُ وَ قَادَهُ اَلضَّلاَلُ فَاتَّبَعَهُ فَهَجَرَ لاَغِطًا وَ ضَلَّ خَابِطًا موعظة موصلة أي مجموعة الألفاظ من هاهنا وهاهنا وذلك عيب في الكتابة والخطابة وإنما الكاتب من يرتجل فيقول قولا فصلا أو يروي فيأتي بالبديع المستحسن وهو في الحالين كليهما ينفق من كيسه ولا يستعير كلام غيره . والرسالة المحبرة المزينة الألفاظ كأنه ع يشير إلى أنه قد كان يظهر عليها أثر التكلف والتصنع . والتنميق التزيين أيضا . وهجر الرجل أي هذى ومنه قوله تعالى في أحد التفسيرين إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هذَا اَلْقُرْآنَ مَهْجُورًا . واللاغط ذو اللغط وهو الصوت والجلبة .
و خبط البعير فهو خابط إذا مشى ضالا فحبط بيديه كل ما يلقاه ولا يتوقى شيئا . وهذا الكتاب كتبه علي ع جوابا عن كتاب كتبه معاوية إليه في أثناء حرب صفين بل في أواخرها وكان كتاب معاوية من عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فإن الله تعالى يقول في محكم كتابه وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخاسِرِينَ وإني أحذرك الله أن تحبط عملك وسابقتك بشق عصا هذه الأمة وتفريق جماعتها فاتق الله واذكر موقف القيامة وأقلع عما أسرفت فيه من الخوض في دماء المسلمين و