و اعلم أن هذه الخطبة قد اشتملت على كلام فصيح وموعظة بالغة من ذكر الدنيا
و ذكر أهلها ونحن نذكر كلمات وردت عن الحكماء والصالحين تناسبها على عادتنا في إيراد الأشباه والنظائر . قال بعض الصالحين ما أدري كيف أعجب من الدنيا أ من حسن منظرها وقبح مخبرها أم من ذم الناس لها وتناحرهم عليها قيل لبعضهم كيف أصبحت قال آسفا على أمسي كارها ليومي متهما لغدي . قيل لأعرابي كيف ترى الدهر قال خدوعا خلوبا وثوبا غلوبا . قيل لصوفي لم تركت الدنيا قال لأني منعت صفوها وامتنعت من كدرها . وقيل لآخر لم تركت الدنيا قال لأني عدمت الوسيلة إليها إلا بعشقها وأعشق ما أكون لها أغدر ما تكون بي وأنشد لبشر الحافي
قرير العين لا ولد يموت
و لا حذر يبادر ما يفوت
رخي البال ليس له عيال
خلي من حربت ومن دهيت
قضى وطر الصبا وأفاد علما
فعاتبه التفرد والسكوت
و أكبر همه مما عليه
تذابح من ترى خلق وقوت
قال أبو حيان سمعت ابن القصاب الصوفي يقول اسمع واسكت وانظر وأعجب قال ابن المعتز
مل سقامي عوده
و خان دمعي مسعده
و ضاع من ليلي غده
طوبى لعين تجده
قلت من الدهر يده
يفنى ويبقى أبده
و الموت ضار أسده
و قاتل من يلده
و من الشعر القديم المختلف في قائله
قصر الجديد إلى بلى
و الوصل في الدنيا انقطاعه
أي اجتماع لم يعد
بتفرق منها اجتماعه
أم أي شعب ذي التئام
لم يبدده انصداعه
أم أي منتفع بشي ء
ثم تم له انتفاعه
يا بؤس للدهر الذي
ما زال مختلفا طباعه
قد قيل في مثل خلا
يكفيك من شر سماعه