لما نزل علي ع الكوفة بعد فراغه من أمر البصرة كتب إلى معاوية كتابا يدعوه إلى البيعة أرسل فيه جرير بن عبد الله البجلي فقدم عليه به الشام فقرأه واغتم بما فيه وذهبت به أفكاره كل مذهب وطاول جريرا بالجواب عن الكتاب حتى كلم قوما من أهل الشام في الطلب بدم عثمان فأجابوه ووثقوا له وأحب الزيادة في الاستظهار فاستشار أخاه عتبة بن أبي سفيان فقال له استعن بعمرو بن العاص فإنه من قد علمت في دهائه ورأيه وقد اعتزل عثمان في حياته وهو لأمرك أشد اعتزالا إلا أن يثمن له دينه فسيبيعك فإنه صاحب دنيا . فكتب إليه معاوية أما بعد فإنه كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في نفر من أهل البصرة وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة علي وقد حبست نفسي عليك فأقبل أذاكرك أمورا لا تعدم صلاح مغبتها إن شاء الله
فلما قدم الكتاب على عمرو استشار ابنيه عبد الله بن عمرو ومحمد بن عمرو فقال لهما ما تريان فقال عبد الله أرى أن رسول الله ص قبض وهو عنك راض والخليفتان من بعده وقتل عثمان وأنت عنه غائب فقر في منزلك فلست مجعولا خليفة ولا تزيد على أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أوشكتما أن تهلكا فتستويا في عقابها وقال محمد أرى أنك شيخ قريش وصاحب أمرها وأن تصرم هذا الأمر وأنت فيه غافل تصاغر أمرك فالحق بجماعة أهل الشام وكن يدا من أيديها طالبا بدم عثمان فإنه سيقوم بذلك بنو أمية . فقال عمرو أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في ديني وأنت يا محمد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي وأنا ناظر فلما جنه الليل رفع صوته وأهله يسمعون فقال
تطاول ليلي بالهموم الطوارق
و خوف التي تجلو وجوه العوائق
و إن ابن هند سألني أن أزوره
و تلك التي فيها بنات البوائق
أتاه جرير من علي بخطة
أمرت عليه العيش ذات مضايق
فإن نال مني ما يؤمل رده