ثم خرج في أيام المتوكل ابن عمرو الخثعمي بالجزيرة فقطع الطريق وأخاف السبيل وتسمى بالخلافة فحاربه أبو سعيد محمد بن يوسف الطائي الثغري الصامتي فقتل كثيرا من أصحابه وأسر كثيرا منهم ونجا بنفسه هاربا فمدحه أبو عبادة البحتري وذكر ذلك فقال
كنا نكفر من أمية عصبة
طلبوا الخلافة فجرة وفسوقا
و نلوم طلحة والزبير كليهما
و نعنف الصديق والفاروقا
و نقول تيم أقربت وعديها
أمرا بعيدا حيث كان سحيقا
و هم قريش الأبطحون إذا انتموا
طابوا أصولا في العلا وعروقا
حتى غدت جشم بن بكر تبتغي
إرث النبي وتدعيه حقوقا
جاءوا براعيهم ليتخذوا به
عمدا إلى قطع الطريق طريقا
عقدوا عمامته برأس قناته
و رأوه برا فاستحال عقوقا
و أقام ينفذ في الجزيرة حكمه
و يظن وعد الكاذبين صدوقا
حتى إذا ما الحية الذكر انكفى
من أرزن حربا يمج حريقا
غضبان يلقى الشمس منه بهامة
يعشى العيون تألقا وبروقا
أوفى عليه فظل من دهش
يظن البر بحرا والفضاء مضيقا
غدرت أمانيه به وتمزقت
عنه غيابة سكره تمزيقا
طلعت جيادك من ربا الجودي قد
حملن من دفع المنون وسوقا
فدعا فريقا من سيوفك حتفهم
و شددت في عقد الحديد فريقا
و مضى ابن عمرو قد أساء بعمره
ظنا ينزق مهره تنزيقا
فاجتاز دجلة خائضا وكأنها
قعب على باب الكحيل أريقا
لو خاضها عمليق أو عوج إذا
ما جوزت عوجا ولا عمليقا
لو لا اضطراب الخوف في أحشائه
رسب العباب به فمات غريقا
لو نفسته الخيل لفتة ناظر
ملأ البلاد زلازلا وفتوقا
لثنى صدور الخيل تكشف كربة
و لوى رماح الخط تفرج ضيقا
و لبكرت بكر وراحت تغلب
في نصر دعوته إليه طروقا
حتى يعود الذئب ليثا ضيغما
و الغصن ساقا والقرارة نيقا
هيهات مارس فليقا متيقظا
قلقا إذا سكن البليد رشيقا
مستسلفا جعل الغبوق صبوحه
و مرى صبوح غد فكان غبوقا
و هذه القصيدة من ناصع شعر البحتري ومختاره