فلتكونن منهم بحيث أعددت ليلة الهرير للهرب فرسك وكان أكبر همك سلامة حشاشة نفسك ولو لا طغام من أهل الشام وقوك بأنفسهم وبذلوا دونك مهجهم حتى إذا ذاقوا وخز الشفار وأيقنوا بحلول الدمار رفعوا المصاحف مستجيرين بها وعائذين بعصمتها لكنت شلوا مطروحا بالعراء تسفي عليك رياحها ويعتورك ذبابها . وما أقول هذا أريد صرفك عن عزيمتك ولا إزالتك عن معقود نيتك لكن الرحم التي تعطف عليك والأوامر التي توجب صرف النصيحة إليك . فقال معاوية لله درك يا ابن عباس ما تكشف الأيام منك إلا عن سيف صقيل ورأي أصيل وبالله لو لم يلد هاشم غيرك لما نقص عددهم ولو لم يكن لأهلك سواك لكان الله قد كثرهم . ثم نهض فقام ابن عباس وانصرف . وروى أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في أماليه أن عمرو بن العاص قال لعتبة بن أبي سفيان يوم الحكمين أ ما ترى ابن عباس قد فتح عينيه ونشر أذنيه ولو قدر أن يتكلم بهما فعل وإن غفلة أصحابه لمجبورة بفطنته وهي ساعتنا الطولى فاكفنيه . قال عتبة بجهدي .
قال فقمت فقعدت إلى جانبه فلما أخذ القوم في الكلام أقبلت عليه بالحديث فقرع يدي وقال ليست ساعة حديث قال فأظهرت غضبا وقلت يا ابن عباس إن ثقتك بأحلامنا أسرعت بك إلى أعراضنا وقد والله تقدم من قبل العذر وكثر منا الصبر ثم أقذعته فجاش لي مرجله وارتفعت أصواتنا فجاء القوم فأخذوا بأيدينا فنحوه عني ونحوني عنه فجئت فقربت من عمرو بن العاص فرماني بمؤخر عينيه وقال ما صنعت فقلت كفيتك التقوالة فحمحم كما يحمحم الفرس للشعير قال وفات ابن عباس أول الكلام فكره أن يتكلم في آخره . وقد ذكرنا نحن هذا الخبر فيما تقدم في أخبار صفين على وجه آخر غير هذا الوجه