فهرس الكتاب

الصفحة 1824 من 5988

ثم أعاد معاني القول الأول فقال إنه أنشأ الأشياء بغير روية ولا فكرة ولا غريزة أضمر عليها خلق ما خلق عليها ولا تجربة أفادها أي استفادها من حوادث مرت عليه من قبل كما تكسب التجارب علوما لم تكن ولا بمساعدة شريك أعانه عليها فتم خلقه بأمره إشارة إلى قوله ولم يستصعب إذ أمر بالمضي فلما أثبت هناك كونها أمرت أعاد لفظ الأمر هاهنا والكل مجاز ومعناه نفوذ إرادته وأنه إذا شاء أمرا استحال ألا يقع وهذا المجاز هو المجاز المستعمل في قوله تعالى إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ تعبيرا بهذا اللفظ عن سرعة مواتاة الأمور له وانقيادها تحت قدرته . ثم قال ليس كالواحد منا يعترض دون مراده ريث وبطء وتأخير والتواء ثم قال وأقام العوج وأوضح الطريق وجمع بين الأمور المتضادة أ لا ترى أنه جمع في بدن الحيوانات والنبات بين الكيفيات المتباينة المتنافرة من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ووصل أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها لأن اعتدال المزاج أو القرب من الاعتدال سبب بقاء الروح وفرقها أجناسا مختلفات الحدود والأقدار والخلق والأخلاق والأشكال أمور عجيبة بديعة مبتكرة الصنعة غير محتذ بها حذو صانع سابق بل مخلوقة على غير مثال قد أحكم سبحانه صنعها وخلقها على موجب ما أراد وأخرجها من العدم المحض إلى الوجود وهو معنى الابتداع فإن الخلق في الاصطلاح النظري على قسمين أحدهما صورة تخلق في مادة والثاني ما لا مادة له بل يكون وجود الثاني من الأول فقط من غير توسط المادة فالأول يسمى التكوين والثاني يسمى الإبداع ومرتبة الإبداع أعلى من مرتبة التكوين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت