والفرقة الثالثة: فصَّلت في ذلك فقالت: إن كان القيام على وجه التعظيم فمكروه، وإن كان على وجه الإكرام فلا يكره، قاله الغزالي، وحسن قوله ابن حجر (1) .
وجماع هذا الأمر أوجزه ابن تيمية -رحمه الله- فقال: لم تكن عادة السلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين: أن يعتادوا القيام كلما يرونه عليه السلام، كما يفعله كثير من الناس، بل قد قال أنس بن مالك: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهيته لذلك (2) .ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقيًا له، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام لعكرمة، وقال للإنصار لما قدم سعد بن معاذ، (قوموا إلى سيدكم ) (3) . وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة لأنهم نزلوا على حكمه .
والذي ينبغي للناس: أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يعدل أحد عن هدي خير الورى، وهدي خير القرون إلى ما هو دونه . وينبغي للمطاع أن لا يقر ذلك مع أصحابه، بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد . وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقيًا له فحسن .
وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ولو ترك لا اعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له، لأن ذلك أصلح لذات البين، وإزالة التباغض والشحناء، وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة: فليس في ترك ذلك إيذاء له (4) .
(1) . فتح الباري (11/56)
(2) . أخرجه البخاري في الأدب المفرد (946) ، مع اختلاف يسير في الألفاظ . وقال الألباني: صحيح .
(3) . رواه البخاري (6262)
(4) . مجموع الفتاوي (1/374-375)