العقد، إلى غير ذلك من شروط، استطعنا أن نحكم بصحته على أنه عقد سلم، وإن جرى بلفظ البيع، لأن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني.
وإذا لم تنطبق عليه شروط السلم السابقة الذكر، وهذا هو الغالب في تعامل الناس بهذا العقد، فإن أكثر المستصنعين يدفعون للصانع قسطًا من الثمن عند التعاقد، وقد لا يدفعون شيئًا بالكلية، ثم يؤدون باقي الثمن أقساطًا، أو عند الانتهاء من الصنعة، وربما بقي للصانع شيء من الثمن يتقاضاه فيما بعد، هذا هو الغالب في تعامل الناس، وعليه فلا يعتبر هذا سَلمًا، وبالتالي فهو غير صحيح عند الشافعية رحمهم الله تعالى.
وقد قال بصحة هذا التعاقد السادة الحنفية رحمهم الله تعالى فيما جرى به العرف وِتعامَل الناس به، لحاجة الناس إليه. شريطة أن يبيّن في العقد ما يزيل عن المستصنَع الجهالة المفضية إلى التنازع بين المتعاقدين، كأن تذكر مادة الصنع ومصدرها، وصفتها وقدرها، وما إلى ذلك.
هذا ولا نرى مانعًا من الأخذ برأي السادة الحنفية رحمهم الله تعالى، والحكم بصحة هذا التعامل، تيسيرًا على الناس، إذ أن الحاجة ماسّة إليه، والناس يتعاملونه - كما ذكرنا - في أكثر صناعاتهم، وكل من الأئمة والفقهاء يسعى وراء الحق، ويلتمس المصلحة لعباد الله تعالى على ما يرضي الله عزّ وجل، ويوافق سنّة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، والله تعالى أعلم.
ونرى أنه يدخل في هذا الموضوع بيع الشقق على الخارطة:
فإنها إذا كانت منضبطة الأوصاف، معلومة المقادير الداخلة في الصنع للمتعاقدين، كالإسمنت والحديد ونحو ذلك، وسلم الثمن كله في مجلس العقد، صحّ العقد والبيع من باب السلم.