فهرس الكتاب

الصفحة 601 من 1290

* * * أمّا «قد» فأصلها أن تكون مخاطبة لقوم يتوقّعون الخبر. فإذا قلت: «قد جاء زيد» ، لم تضع هذا الكلام ابتداء على غير أمر كان بينك وبينه، أو أمر تعلم أنّه لا يتوقّعه. فإن أدخلت اللام على «قد» ، فإنّما تدخلها على هذا الوجه.

فأمّا قولك: «والله لكذب زيد كذبا ما أحسب الله يغفره له» ، فإنّما تقديره: لقد لأنّه أمر قد وقع، ولا يقال هذا إلّا على شيء متقدّم، فالأمر فيهما واحد، إلّا أنّ هذا على الحذف والتعجّب، والذي ب «قد» على استقصاء الكلام، فعلى هذا فأجرهما.

* * * واعلم أنّ من العرب من يقول: «الله لأفعلنّ» ، يريد الواو، فيحذفها. وليس هذا بجيّد في القياس، ولا معروف في اللغة، ولا جائز عند كثير من النحويّين. وإنّما ذكرناه لأنّه شيء قد قيل، وليس بجائز عندي لأنّ حرف الجرّ لا يحذف ويعمل إلّا بعوض لما تقدّم من الشرح.

* * * واعلم أنّ القسم لا يقع إلّا على مقسم به، ومقسم عليه، وأنّ قوله عزّ وجلّ: {وَاللَّيْلِ إِذََا يَغْشى ََ. وَالنَّهََارِ إِذََا تَجَلََّى. وَمََا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ََ} [1] . أنّ الواو الأولى واو قسم، وما بعدها من الواوات للعطف لا للقسم. ولو كانت للقسم، لكان بعض هذا الكلام منقطعا من بعض، وكان الأوّل إلى آخر القسم على غير محلوف عليه، فكان التقدير: {وَاللَّيْلِ إِذََا يَغْشى ََ} [2] ، ثمّ ترك هذا، وابتدأ {وَالنَّهََارِ إِذََا تَجَلََّى} [3] . ولكنّه بمنزلة قولك: «والله ثمّ الله لأفعلنّ» ، وإنّما مثّلت لك ب «ثمّ» لأنّها ليست من حروف القسم.

* * * واعلم أنّ القسم قد يوكّد بما يصدّق الخبر قبل ذكر المقسم عليه، ثمّ يذكر ما يقع عليه القسم. فمن ذلك قوله عزّ وجلّ: {وَالسَّمََاءِ ذََاتِ الْبُرُوجِ. وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ. وَشََاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [4] ثمّ ذكر قصّة أصحاب الأخدود توكيدا.

وإنّما وقع القسم على قوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [5] وقد قال قوم: إنّما وقع على {قُتِلَ أَصْحََابُ الْأُخْدُودِ} [6] ، وحذفت اللام لطول الكلام. وليس القول عندنا إلّا الأوّل لأنّ هذه الاعتراضات توكيد.

(1) الليل: 1، 3.

(2) الليل: 1.

(3) الليل: 2.

(4) البروج: 1، 3.

(5) البروج: 12.

(6) البروج: 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت