ويجوز أن تقول وهو حسن جدّا: «أنت أفره الناس عبيدا» ، و «أجود الناس دورا» ،
ولا يجوز: «عندي عشرون دراهم يا فتى» .
والفصل بينهما: أنّك إذا قلت: «عشرون» ، فقد أتيت على العدد، فلم يحتج إلّا إلى ذكر ما يدلّ على الجنس، فإذا قلت: «هو أفره الناس عبدا» ، جاز أن تعني عبدا واحدا، فمن ثمّ حسن، واختير إذا أردت الجماعة أن تقول: «عبيدا» . قال الله عزّ وجلّ: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمََالًا} [1] ، وقد يجوز أن تقول: «أفره الناس عبدا» ، فتعني جماعة العبيد نحو التمييز، والجمع أبين إذا كان الأوّل غير مخطور العدد.
* * * ومن التمييز: «ويحه رجلا» ، و «لله درّه فارسا» ، و «حسبك به شجاعا» ، إلّا أنّه إذا كان في الأوّل ذكر منه، حسن أن تدخل «من» توكيدا لذلك الذّكر، فتقول: «ويحه من رجل» ، و «لله درّه من فارس» ، و «حسبك به من شجاع» ، ولا يجوز: «عشرون من درهم» ، ولا «هو أفرههم من عبد» لأنّه لم يذكره في الأوّل.
وأنا أرى قوله عزّ وجلّ: {وَمََا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللََّهِ} [2] على هذا كما تقول: «من جاءني من طويل أعطيته» ، و «من جاءني من قصير منعته» لأنّك قدّمت ذكره بقولك:
«من» .
* * * واعلم أنّ التبيين إذا كان العامل فيه فعلا جاز تقديمه لتصرّف الفعل، فقلت: «تفقّأت شحما» ، و «تصبّبت عرقا» ، فإن شئت قدّمت، فقلت: «شحما تفقّأت» ، و «عرقا تصبّبت» .
وهذا لا يجيزه سيبويه لأنّه يراه، كقولك: «عشرون درهما» ، و «هذا أفرههم عبدا» ، وليس هذا بمنزلة ذلك لأنّ «عشرين درهما» إنّما عمل في «الدرهم» ما لم يؤخذ من الفعل.
ألا ترى أنّه يقول: «هذا زيد قائما» ، ولا يجيز: «قائما هذا زيد» لأنّ العامل غير فعل.
وتقول: «راكبا جاء زيد» لأنّ العامل فعل فلذلك أجزنا تقديم التمييز إذا كان العامل فعلا. وهذا رأي أبي عثمان المازنيّ.
(1) الكهف: 103.
(2) النحل: 53.