فهرس الكتاب
أحدهما: أنّ التي للخبر لمّا ضارعت «ربّ» في معناها، اختير فيها ترك التنوين ليكون ما بعدها بمنزلتها بعد «ربّ» ، وتكون تشبه من العدد «ثلاثة أثواب» ، و «مائة درهم» ، فتكون غير خارجة من العدد، وقد أصبت بها ما ضارعته كما أنّ المضاف إليه إنّما خصّ بالخفض لأنّه على معنى اللام.
ألا ترى أنّ قولك: «هذا غلام زيد» إنّما معناه: هذا غلام لزيد، وقد يجوز أن تكون منوّنة في الخبر، فينتصب ما بعدها، فتقول: «كم رجلا قد أتاني» . إلّا أنّ الأجود ما ذكرنا ليكون بينها وبين المستفهم فيها فصل.
فإن فصلت بينها وبين ما تعمل فيه بشيء، اختير التنوين لأنّ الخافض لا يعمل فيما فصل منه، والناصب والرافع يعملان في ذلك الموضع، وذلك قولك: «كم يوم الجمعة رجلا قد أتاني» ، و «كم عندك رجلا قد لقيته» ، ويختار النصب في قوله [من البسيط] :
[275] كم نالني منهم فضلا على عدم ... إذ لا أكاد من الإقتار أحتمل
يجرّ ما بعده، ولهذا كان ما بعدها مجرورا في الخبر، لأنها نقيضة «ربّ» و «ربّ» تجرّ ما بعدها، وكذلك ما حمل عليها.
فإن قيل: فلم جاز النصب مع الفصل في الخبر؟ قيل: إنّما جاز ذلك وهو النصب عدولا عن الفصل بين الجارّ والمجرور، لأن الجارّ والمجرور بمنزلة الشيء الواحد، وليس الناصب مع المنصوب بمنزلة الشيء الواحد، على أنّ بعض العرب ينصب بها في الخبر من غير فصل، ويجرّ بها في الاستفهام حملا لإحديهما على الأخرى.
فإن قيل: فلم إذا كانت استفهامية لم تبيّن إلا بالمفرد النكرة، وإذا كانت خبرية جاز أن تبيّن بالمفرد والجمع؟ قيل: لأنها إذا كانت استفهامية، حملت على عدد ينصب ما بعده، وذلك لا يبيّن إلا بالمفرد النكرة، نحو: «أحد عشر رجلا» ، و «تسع وتسعون جارية» فلذلك لم يجز أن تبيّن إلا بالمفرد النكرة، وإذا كانت خبرية، حملت على عدد يجرّ ما بعده، والعدد الذي يجرّ ما بعده، يجوز أن يبيّن بالمفرد ك «مائة درهم» وبالجمع ك «ثلاثة أثواب» ، فلهذا جاز أن يتبيّن بالمفرد والجمع، وأما اختصاصهما بالتنكير فيهما جميعا، فلأن «كم» لمّا كانت للتكثير، والتكثير والتقليل لا يصح إلا في النكرة لا في المعرفة، لأنّ المعرفة تدلّ على شيء مختص، فلا يصح فيه التقليل، ولا التكثير، ولهذا كانت «ربّ» تختصّ بالنكرة، لأنها لمّا كانت للتقليل، والتقليل إنما يصحّ في النكرة لا في المعرفة كما بيّنّا في «كم» ، فاعرفه تصب إن شاء الله تعالى».
[275] التخريج: البيت للقطامي في ديوانه ص 30وخزانة الأدب 6/ 477، 478، 483والدرر 4/ 49وشرح المفصل 4/ 131والكتاب 2/ 165واللمع ص 227والمقاصد النحوية 3/ 298، 4/ 494وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب 1/ 283وخزانة الأدب 6/ 469وشرح الأشموني 3/ 636 وشرح عمدة الحافظ ص 535وهمع الهوامع 1/ 255.
اللغة: على عدم: على فقر وحاجة. الإقتار: الفقر. أحتمل: أرتحل طالبا رزقا.