واعلم أنّ من المصادر مصادر تقع في موضع الحال، وتغني غناءه، فلا يجوز أن تكون معرفة لأنّ الحال لا تكون معرفة.
وذلك قولك: «جئتك مشيا» ، وقد أدّى عن معنى قولك: جئتك ماشيا، وكذلك قوله عزّ وجلّ: {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} [1] .
ومنه: «قتلته صبرا» . وإنّما الفصل بين المصدر وبين اسم الفاعل أنّك إذا قلت:
«عجبت من ضرب زيد عمرا» ، أنّ «ضربا» في معنى: «أن ضرب» ، فيحتاج ما بعدها إلى الفاعل والمفعول.
فإذا قلت: «عجبت من ضارب عمرا» ، فقد جئت بالفاعل، وإنّما بقي المفعول، والفاعل يحمل على المصدر كما حمل المصدر عليه. تقول: «قم قائما» ، فالمعنى: قم قياما. فمن ذلك قوله [من الطويل] :
على حلفة لا أشتم الدهر مسلما ... ولا خارجا من فيّ زور كلام
إنّما أراد: لا أشتم، ولا يخرج من فيّ زور كلام فأراد: «ولا خروجا» ، فوضع «خارجا» في موضعه، وهذا قول عامّة النحويّين.
وكان عيسى بن عمر يأبى ما فسّرنا ويقول: إنّما قال [من الطويل] :
[338] ألم ترني عاهدت ربّي وإنّني ... لبين رتاج قائما ومقام
على حلفة لا أشتم الدهر مسلما ... ولا خارجا من فيّ زور كلام
يريد: عاهدت ربّي على أمور وأنا في هاتين الحالتين: لا شاتما، ولا خارجا من فيّ مكروه.
(1) البقرة: 260.
[338] التخريج: البيتان للفرزدق في ديوانه 2/ 212وأمالي المرتضى 1/ 63، 64وتذكرة النحاة ص 85وخزانة الأدب 1/ 223، 4/ 463، 465وشرح أبيات سيبويه 1/ 170وشرح المفصل 2/ 59، 6/ 50والكتاب 1/ 346ولسان العرب 2/ 250 (خرج) (البيت الثاني) والمحتسب 1/ 57وبلا نسبة في شرح شافية ابن الحاجب 1/ 177ولسان العرب 2/ 279 (رتج) (البيت الأول) .
اللغة: عاهدته: حالفته وعقدت معه ميثاقا. الرتاج: الباب العظيم الكبر، أو الباب المغلق.
المعنى: أعطيت ربي ميثاقا لا أخونه، لا أسب مسلما ما دمت حيا، وقد أعطيت ميثاقي هذا وأنا في