البضاعة، وأظهر محاسنها وسلّط عليها الأضواء، وربما رخّص في سعرها إذا استطاع رغبةً في أن يلزم المشتري بشرائها؛ فإذا اشتراها فلا عليه بعد ذلك إن كان ذا نيةٍ سيئةٍ ما فيها من عيبٍ، وما وراءها من خللٍ .. وغير ذلك.
والأمر كذلك في أمر الزوجين في فترة الخطبة التي هي تسمى فترة اختبار، أو فترة اختيار - كما يزعمون - فإن المرأة تظهر له أحسن ما عندها من معسول القول، وجميل المنظر وحسن الثياب.
وأما هو فإنه يعدها بالوعود الكثيرة، ويظهر لها من شهامته ورجولته وبطولته وغير ذلك .. ما أكثره غير صحيحِ ولا واقع أو على أقل تقدير؛ إنما دفع إليه الرغبة في الوصول إلى ما وراء ذلك من العقد والزواج، ثم تمضي الحياة بحقيقتها ومشاغلها ومشكلاتها ومعاناتها، فإذا هي على غير هذه الوعود الحالمة وعلى غير هذه الخيالات الواهمة، وحينئذٍ يقع الأمر الوخيم، كما وقع في الأول عندما يأتي إلى امرأةٍ لم يرها ولم ينظر إليها، فيدخل عليها فتنقبض منها نفسه، أو يسمع منها قولًا لا يعجبه .. فيجمع هذا إلى هذا فيكون بدايةً في التصدع في بنيان الأسرة أو على عكس ذلك يحصل مثل هذا، ثم يأتي الواقع فيكون على خلافه فيحل أيضًا مثل هذا التصدع وأما الشرع الحكيم؛ فإنه - كما أخبر - عليه الصلاة والسلام - ينظر إلى ما يدعوه إلى زواجها من رؤية وجهها.
وفيه مجمع محاسنها ورؤية هيئتها مقبلةَ ومدبرة؛ ليرى أن ليس فيها من عيبٍ ولا عرجٍ ولا عوجٍ أو سمنٍ أو غير ذلك .. فحينئذِ إذا أقبل فإنه يقبل عن علم وبينة، وإذا امتنع فإنه لا يكون قد هتك سترًا، ولا فضح أمرًا، ولا اطلع على عورة .. وهذا هو شرع الله - عز وجل - ينبغي أن نأخذ به، وأن لا نجعل في واقعنا هذه المفارقات التي أتت علينا بكثيرٍ من المشكلات.
وهناك هذا الإفراط وذلك التفريط، وكثيرًا ما يتأثر الناس في هذا بالوسائل الإعلامية التي تغزو العقول والقلوب، وتضعضع القيم في النفوس.
وكثيرًا ما يقرؤون ذلك على صفحات المجلات، ومن خلال المقابلات وفي بعض الصحف ونحو ذلك ونقول: نحن عندنا من كتاب ربنا، ومن سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم -، ومن حياء نسائنا، ومن كرم رجالنا، ومن عظمة وحسن سلائقنا ما نترفع به عن مثل هذه السفاسف، التي قد اتبعتها أقوام .. فرأينا ما مضى به حالهم، وما وصلوا إليه من الغاية التي يترفع عنها الحيوانات ومن ليسوا من البشر من غير أصحاب العقول.
كل ذلك داخل في عموم قوله - جل وعلا: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةَ ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} .