فهرس الكتاب

الصفحة 662 من 991

ولهذا سبَّح الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونبَّه الأعرابي إلى هذا الخطأ الفادح لما قال: «ويحك! أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك» إلى آخر الحديث.

ولكي نتصور ـ أخي الكريم ـ حقيقة وكنه التعظيم فإن علينا أن نتفكر في هذا المثال: انظر إلى حال رفقاء الملوك والأمراء والرؤساء ـ إلا من رحم الله ـ تجد أحدهم لا يستطيع أن يرد لهذا الملك أو لهذا الرئيس أمرًا ولا أن يرتكب نهيًا حتى وإن كان هذا الأمر والنهي يضره في بدنه أو ماله أو أهله، وعندما نسأله عن سر هذه الطاعة العمياء نجد أن تعظيمه لهذا الرئيس هو السبب الحقيقي لهذه الطاعة. إذًا فالتعظيم يولِّد في النفس الخوف من المعظَّم.

ولهذا ما فتئ علماء الأمة يجتهدون في تذكير الناس بمسألة تعظيم الله؛ فها هو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - يصنف كتاب التوحيد، ويقرر فيه مسائل العقيدة ثم يختم كتابه بأبواب عديدة كلها تتعلق بتعظيم الله، مثل: باب فيمن لم يقنع بالحلف بالله ـ باب التسمي بقاضي القضاة ـ باب احترام أسماء الله ـ باب لا يرد من سأل الله ـ باب قوله: {وما قدروا الله حق قدره} [الزمر: 67] . وهذا آخر باب ذكره الشيخ في كتابه القيم.

لكن هل نحن معظمون لله أم لا؟ للإجابة عن هذا التساؤل لا بد أن ننظر إلى حالنا عند الإقدام على فعل طاعة من الطاعات: هل نؤديها رغبة ورهبة، خوفًا وطمعًا؟ أم أن الطاعة أصبحت عادة من العادات نعملها كل يوم دون استشعار الهدف من أدائها؟ وهل المرأة حين تلبس الحجاب الشرعي تلبسه لأنه شرعٌ من الله أم أنه تراث وتقاليد؟ كذلك ننظر إلى حالنا عند فعل المعصية: هل نحس كأننا تحت جبل يكاد أن يسقط علينا أم كذبابة وقعت على أنف أحدنا فقال بها هكذا؟ كذلك لننظر إلى حالنا أثناء أداء الصلاة والقيام لرب العالمين هل نستشعر عظمة من نقابله فنخشع في صلاتنا أم تشغلنا الأفكار والهواجس؟ وهل إذا قابلنا ملكًا من ملوك الدنيا صنعنا عنده مثل ما نصنع في صلاتنا؟ إذا أجبنا عن هذه التساؤلات بكل تجرد فسنعرف يقينًا هل نحن معظمون لله أم لا؟

أخي الكريم! لنتأمل حال أولئك المعظمين لله - تعالى - عند قيامهم للصلاة؛ فقد قال مجاهد - رحمه الله: كان إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشد بصره إلى شيء، أو أن يلتفت أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه من شأن الدنيا إلا ناسيًا ما دام في صلاته، وكان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع، وكان يسجد فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع رأسه، وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد فانهدم طائفة منه فقام الناس وهو في الصلاة لم يشعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت