من قولهم في نبيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامهم في ربهم، وإلحادهم في أسمائه وجحدهم لصفاته، وإبطالهم ربوبيته، ألا ترى أنك لو جالست المعتزلي عمره كله، ما قطع مجلسه، ولا أفنى ليله ونهاره إلا بالخصومة والجدل في الله، وفي صفاته، وقدره، وفي جحد العلم، وفي نفي الصفات، قد ولهته الخصومة، وألهاه الجدل عن النظر في الحلال والحرام اللذين تعبده الله بعلمهما، وفرض عليه العمل بهما، والعمل بالذي فرضه الله من علم ذلك، فأما حجته، وخصومته بقول الله تعالى: لا تدركه الأبصار، فإن معنى ذلك واضح لا يخيل على أهل العلم والمعرفة، ذلك أنك تنظر إلى الصغير من خلق الله فيما يدركه بصرك، ولا يحيط نظرك، فالله تعالى أجل وأعظم من كل شيء يدركه بصر وإنما الإدراك أن يحيط البصر بالشيء حتى يراه كله فذلك الإدراك، ألا ترى أنك ترى القمر فلا ترى منه إلا ما ظهر من وجهه، ويخفى عليك ما غاب من قفاه، وكذلك الشمس، وكذلك السماء وكذلك البحر، وكذلك الجبل، وإن الرجل ليكلمك وهم معك فما يدركه بصرك، وإنما تنظر منه إلى ما أقبل عليك منه، فإنما قول الله عز وجل: لا تدركه الأبصار، لا تحيط به لعظمته وجلاله، ولكن الجهمي عدو الله إنما ينزع إلى المتشابه ليفتن الجاهل. قالت الجهمية: إنما معنى قوله: إلى ربها ناظرة (15) ، إنما أراد بذلك الانتظار، فخالفت في ذلك بهذا التأويل جميع لغات العرب، وما يعرفه الفصحاء من كلامها؛ لأن القرآن إنما نزل بلسان العرب، قال الله تعالى: وهذا لسان عربي مبين (16) ، وقال: قرآنا عربيا غير ذي عوج (17) ، فليس يجوز عند أحد ممن يعرف لغات العرب، وكلامها أن يكون معنى قوله: إلى ربها ناظرة الانتظار، ألا ترى أنه لا يقول أحد: إني أنظر إليك يعني أنتظرك، وإنما يقول: أنتظرك، فإذا دخل في الكلام إلى، فليس يجوز أن يعني به غير النظر، يقول: أنظر إليك، وكذلك قوله: إلى ربها ناظرة، ولو أراد الانتظار لقال: لربها منتظرة، ولربها ناظرة، وذلك كله واضح بين عند أهل العلم، ممن وهب الله له علما في كتابه، وبصرا في دينه، فاعلم أن كل شيء معناه الانتظار فإنه لا يكون بالتخفيف، ولا يكون إلا بالتثقيل، فأما ما عني به الانتظار، فقوله: هل ينظرون إلا الساعة (18) ، معناه هل ينتظرون إلا الساعة، ونظير ذلك، وشبهه وشاهده: فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم (19) ، فتبين أن التثقيل إنما هو في الانتظار، كقوله: ينتظرون ثم قال: إلا فثقل، وقال: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله (20) ، فهذا انتظار مثقل، وقال: هل ينظرون إلا تأويله (21) ، يعني: ينتظرون، فثقل، وقال مما هو بمعنى