وردت هذه الصورة في ثلاثة تراكيب وذلك:
-قوله صلى الله عليه وسلم: (فَالدَّارُ الجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم) [1]
-وقوله صلى الله عليه وسلم: (الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ) [2]
فـ (الجنة والدنيا) عَلَمان بالغلبة قال الشاطبي:"ذو الغلبة من الأعلام: كل اسم اشتهر به بعض ما له معناه اشتهارًا تامًا حتى صار بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ لم يفهم منه غير ذلك الشيء" [3] .
ومن أمثلته: العقبة وهي كل طريق صاعد في الجبل ثم اختص بعقبة منى التي يضاف إليها الجمرة فيقال: جمرة العقبة، ومن ذلك: الكعبة، والمدينة ونحوها، فكلها تُعَدّ من الأعلام لا من المعرَّف بال, قال المكودي [4] :"وهذا النوع تَعرَّفَ قبل الغَلَبة بال ثم غلبت عليه الشهرة فصار عَلَمًا وأُلغِي التعريف السابق" [5]
وتقديم (الدار) و (الداعي) في هذه الصورة مما يؤكِّد أنّ المقدَّم من المعرفتين هو المبتدأ؛ لا اسم ذات ولا الأعرف، لأن كلاًّ من (محمد صلى الله عليه وسلم) و (الجنة) اسم ذاتٍ, وهما من أعرف المعارف، ومع ذلك لا يمكن اعتبارهما مبتدأين في هذين التركيبين؛ لأنه لما تقدم في الحديث: (بنى دارا ... وبعث داعيا) كان السامع يتطلع إلى أن يُخبَر: ما هي هذه الدار؟ ومن هو هذا الداعي؟ فقُدِّما في الترتيب وجُعِلا مبتدأين ليُخبَر عنهما بما بعدَهما. والله أعلم
ومن هذه الصور:
-قوله صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) [6]
(1) البخاري: 6/ 2655، ينظر الحديث رقم (4) في التمهيد من هذا البحث.
(2) مسلم: 4/ 2272، ينظر الحديث رقم (75) في التمهيد من هذا البحث.
(3) المقاصد الشافية: (1/ 580) , وشرح المكودي على الألفية: (1/ 168) .
(4) أبو زيد عبد الرحمن بن علي بن صالح النحوي، المكودي نسبة إلى مكود (قبيلة قرب فاس) توفي بفاس سنة: 807 هـ، من مصنفاته (شرح ألفية بن مالك) . الأعلام: (3/ 318) .
(5) شرح المكودي على الألفية: (1/ 168) .
(6) مسلم: 3/ 1225، ينظر الحديث رقم (127) في التمهيد من هذا البحث.