وَعِرْضِهِ) [1] .
فمعنى اتقى: اتخذ وقاية [2] وأصل (اتقى) عند الصرفيين: اوتقى فأُبدلت التاء من الواو؛ ليُتَجنّب تغيُّرات الواو بتغير أحوال ما قبلها [3] والتاء حرف جلد لا يتغير لما قبله، وهو قريب المخرج من الواو [4] .
ورد هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم: (إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ، أَكَلَتْ، حَتَّى إِذَا امْتَلأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ) [5] فقوله: امتلأ لمطاوعة ملأ، يقال ملأته فامتلأ, وقد أغنى فيها افتعل عن انفعل فلا يقال: ملأته فانملأ؛ لكون فاء الكلمة ميما [6] , وهي من الحروف التي تدغم النون الساكنة فيها، ونون انفعل علامة المطاوعة فكره طمسها [7] .
أي أن افتعل يدل على التسبب والتصرف والاجتهاد في حصول الأمر ومن هذا المعنى في أمثال الصحيحين: (ابتغى) يقول صلى الله عليه وسلم: (لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى ثَالِثًا) [8] بغَيت الشيءَ وابتغيته: طلبته, وبَغيته: حاجته، وضالته [9] فبناء افتعل هنا للتصرف والاجتهاد؛ لأن الحديث يعبر عن حرص ابن آدم في جمع المال، فجاء الفعل ابتغى على هذا البناء للدلالة على اجتهاده وتكلفه في طلب المزيد.
ومنه (اجترّ) من قوله صلى الله عليه وسلم: (ثَلَطَتْ أَوْ بَالَتْ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ، فَعَادَتْ
(1) البخاري: (1/ 28) , ينظر الحديث رقم: (44) في التمهيد من هذا البحث.
(2) ينظر: أبنية الأفعال دراسة لغوية قرآنية:59
(3) أي لو لم تقلب الواو تاء لقلبت ياء أو ألفا، أو واو تبعا لحركة ما قبلها، فيقال مثلا: ايتقى، ياتقي يوتقى.
(4) ينظر: شرح الملوكي:294 والممتع:1/ 387
(5) البخاري: (2/ 532) ، ومسلم: (2/ 727 - 728) , ينظر الحديث رقم: (16) في التمهيد من هذا البحث.
(6) ومثل ميمي الفاء: ما كانت فاؤه لاما أو راء، أو نونا أو واوا فيقال في مطاوعة لأمته، ورميته، ونفيته، ووصلته: التأم، وارتمى، وانتفى، واتصل، فيستغنى بافتعل فيها عن انفعل.
(7) ينظر: شرح الشافية:1/ 109
(8) البخاري: 5/ 2364 ومسلم: 2/ 725, ينظر الحديث رقم: (90) في التمهيد من هذا البحث.
(9) الصحاح:100 والقاموس:1271 (بغا)