عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) [1] .
وقد يرد بدون لفظ (مَثَل) وبدون أداة من أدوات التشبيه كقوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} [2] فهذه الآية مثل ضربه اللَّه لعمل عامل، وهو مثل قياسي بدون لفظ (مَثَل) أو أداة من أدوات التشبيه [3] ، وفي الأمثال النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: (يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ، إِلَى نَصْلِهِ، إِلَى رِصَافِهِ، فَيَتَمَارَى فِي الفُوقَةِ، هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ) [4] .
إن للأمثال بجميع أنواعها أهمية بالغة في الحياة اللغوية والدينية والأخلاقية والتربوية وغير ذلك من مختلِف جوانب الحياة، ويكفي دليلا على عِظَم أهميتها كثرةُ ورودها في كلام الباري جل جلاله وتأمل قوله سبحانه: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [5] , بل وقد جعل الله تعالى فهمَ الأمثال وتعقّلَها عنوانا لأهل العلم فقال سبحانه: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [6] ، ولقد كثُرت أقوال العلماء والأدباء في بيان أهميةِ الأمثال وبَالِغِ أثرِها في النفوس, وفي إِيضاحها للمعاني وتقريبها من الذهن، مُبْرِزِينَ ما تتميز به من مكانة رفيعة بين سائر فنون الكلام شكلًا ومضمونًا، ولا شك أن الوقوف على بعض تلك الأقوال يزيد جلاء في إدراك أهمية الأمثال بنوعيها (أمثال التَّمَثُّل) أي: السائرة، و (أمثال التَّمْثِيل) أي: القياسية.
يقول الحكيم الترمذي:"الأمثال نموذجات الحكمة لما غاب عن الأسماع والأبصار لتهدي النفوس بما أدركت عيانا, فمن تدبير الله لعباده أن ضرب لهم الأمثال من أنفسهم لحاجتهم"
(1) مسلم: 1/ 128
(2) سورة البقرة الآية: 266
(3) الأمثال القرآنية القياسية: 1/ 67
(4) البخاري: (6/ 2540) ومسلم (2/ 743)
(5) سورة الزمر الآية: 27
(6) سورة العنكبوت الآية: 43