يقول صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَكِيدُ أَهْلَ المَدِينَةِ أَحَدٌ، إِلَّا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ المِلْحُ فِي المَاءِ) [1] يقال: ماع الشيءُ وانماع بمعنى. قال ابن الأثير:"ماع الشَّيءُ يَمِيعُ وانْمَاع: إذَا ذَابَ وسَالَ" [2] فيكون بناء (انفعل) هنا لموافقة (فعَل) . وأصل انماع: انميَع، بوزن انفعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا [3] .
ويقول صلى الله عليه وسلم: (فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا) [4] الانطلاق: سرعة الذهب، وانطلق بمعنى: ذهب [5] وبهذا المعنى يكون بناء (انفعل) للإغناء عن المجرد كما أفاده ابن مالك [6] ويحتمل الدلالة على سرعة الذهاب، فيفيد معنى زائدا على المجرد، وسياق المَثل يؤيد ذلك، ويحتمل أن يكون لمطاوعة أفعل؛ لأن انطلاقهم حصل طاعةً لأمر النذير؛ ولذلك قال: فأطاعه طائفة فانطلقوا, فكأنّه من أطلقتُه فانطلق. وأشار ابن يعيش إلى هذا المعنى بقوله:"وقالوا: انطلق، ولم يستعملوا (فعَل) ... ومثله: أزعجته فانزعج ... كأنهم طاوعوا به (أفعل) " [7]
يأتي هذا البناء لازما ومتعديا، ويستعمل لمعان عدة منها: الاتخاذ، والمطاوعة، والتسبب والاجتهاد، وبمعنى التفاعل، ولموافقة تفعل، واستفعل، وفَعَل [8] , وجاء افتعل في أمثال الصحيحين للمعاني التالية:
وجاء هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم: (فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ
(1) البخاري: 2/ 664, ينظر الحديث رقم: (45) في التمهيد من هذا البحث.
(2) النهاية:4/ 381
(3) ينظر: كتاب الحلية فيما لكل فعل من تصريف وبنية:2/ 339
(4) البخاري:6/ 2656 ومسلم:4/ 1788, ينظر الحديث رقم: (37) في التمهيد من هذا البحث.
(5) لسان العرب:10/ 276 والقاموس:919 (طلق)
(6) التسهيل:3/ 312
(7) شرح الملوكي:79
(8) ينظر: الممتع:1/ 192 شرح التسهيل:3/ 311 شرح الشافية:1/ 108