فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 462

وأهلِهِ، أمَّا الإرادة الكونيّة، فتستلزم وقوع المراد، لأنّها بمعنى المشيئة، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن [1] .

وقد ذَكَرَ الزّركشيّ (794 هـ) [2] أنّ السَلَفَ نَظَروا إلى نوعَي الإرادة السالفَيْنِ لَمّا قالوا: إنَّ الله أراد من إبليسَ السجودَ ولم يُرِدْهُ منه [3] ، والمقصود أنَّهُ أراد السّجودَ من إبليسَ إرادةَ محبّةٍ ورضا، ولم يُرِدْهُ منه إرادةَ كونٍ ووجودٍ، أو - بعبارة القرافيّ: طلبَهُ منه ولَم يُرِدْهُ. وبهذا المعنى يمكن أن يصحّ ما قاله الرّازيّ من أنّ الإرادةَ جنسُ الطلب إذ إنَّهُ أحد نوعَيْها، والله أعلم.

و. الفرق بين:(الإنذار)، و(التهديد):-

لَمّا ذَكَرَ الفخر الرّازيّ (606 هـ) أنّ مثالَ التهديد: قولُهُ تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} (فُصِّلَتْ: 40) ، وأنَّ الإنذارَ قريبٌ منه، كقوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُوا} (إبراهيم: 30) ، قال القرافيّ: «قُلْتُ: الفرق بينَهما: أنَّ التهديدَ في عُرف الاستعمال أبلغ في الوعيد والغضب، والإنذارُ قد يكون بفعل الغَيْرِ، وكذلك الرسُلُ عليهم السّلام مُنذِرون بعقابِ الله تعالى، ولا يُقالُ لهم مُهَدِّدونَ؛ لأنّ التّهديدَ يختصّ بفعل المُهَدِّدِ نفسِهِ.» [4] .

وقد فَرقَ جمال الدين الإسْنَويُّ (772 هـ) بين التهديد والإنذار بفرقٍ قريبٍ من ذاك الذي ذَكَرَهُ القرافيّ، وهو أنَّ التهديد - لغةً - هو التخويف، أمَّا الإنذارُ فهو - لغةً - الإبلاغ، ولا يكون إلاّ في التخويف، فقوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعوا} : أمْرٌ بإبلاغِ هذا الكلام المَخُوفِ الذي عُبِّرَ عنه بالأمْرِ، وهو: {تَمَتَّعوا} ، فيكون أمْرًا بالإنذار [5] . فقد جَعَلَ الإسْنَوِيُّ التهديدَ هو التخويفَ نَفْسَه، وجَعَلَ الإنذارَ هو إبلاغَ ما يُخافُ، وهناك فَرْقٌ بينَ الشيء وإبلاغِهِ؛ فقوله تعالى:: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} يفيدُ التخويفَ، إذْ

(1) ينظر: معجم ألفاظ العقيدة: 29، و: كتاب التعريفات الاعتقادية: 23.

(2) هو بدر الدّين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي. بَرَع في الفقه، والحديث، والتفسير، وأصول الدّين. من أهم كتبه: (البحر المحيط في أُصول الفقه) ، و (البرهان في علوم القرآن) ، و (تشنيف المسامع بجمع الجوامع) . (ينظر: مقدمة تحقيق البرهان في علوم القرآن: 1/ 5 - 8) .

(3) ينظر: سلاسل الذَّهَب: 204.

(4) نفائس الأُصول في شرح المحصول (صيغة الأمر تُسْتَعْمَلُ في خمسةَ عَشَرَ وَجهًا) : 3/ 1227.

(5) ينظر: نهاية السول في شرح منهاج الأُصول: 2/ 248.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت