فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 462

وأمَّا ما يتّصل بالعلاقة بين (الطِّيرة) و (الفأل) ، فيبدو أنَّ التّداخُلَ بين مدلوليهما أصله: «أنَّ الرّجُلَ منهم كان إذا أرادَ أمْرًا نَفَّرَ الطَّيْرَ؛ فإن أخَذَ الطيرُ يمينًا تفاءَلوا به، وإن أخَذَ يسارًا تشاءَموا به ... ويقال لطائر اليمين: السّانِح، وللآخَر: البارِح.» [1] ولأجلِ هذا المعنى قال أبو السّعادات بن الأثير (606 هـ) [2] : «وقد جاءَت الطِّيَرَةُ بمعنى الجنس، والفأل بمعنى النوع، ومنه الحديث: «أصْدَقُ الطِّيَرَةِ الفأل» » [3] ، فمجيئها للجنس إنّما هو لِلَمْحِ أصلها الذي كان ينصرف إلى التّشاؤم والتّفاؤل أوَّلَ الأمْرِ، ثم قُصِرَ مِنْ بَعْدُ على التّشاؤم. وقد بَيَّنَ ابن الأثير سببَ محبّةِ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - الفألَ وكراهَيتهِ الطِّيَرَةَ، فقال: «وإنَّما أحَبَّ الفألَ؛ لأنَّ النّاسَ إذا أمَّلوا فائدةَ اللهِ تعالى، ورَجَوا عائِدَتَهُ عند كلّ سبب ضعيف أو قويّ، فَهُم على خير، ولو غلطوا في جهة الرجاء، فإن الرجاء لهم خير، وإذا قَطَعوا أملهم ورجاءَهم من اللهِ كان ذلك من الشرِّ. وأمَّا الطِّيَرَةُ، فإنّ فيها سوءَ الظّنّ باللهِ وتوَقُّعَ البلاء.» [4] . أمَّا ابنُ قيِّم الجوزيَّة (751 هـ) فقد ذَكَرَ أنَّ بعضهم فرق بين الفأل والتّطيُّر بأنَّ الفأل إبانةٌ، والتّطيُّر استدلال، والإبانةُ أوَضَحُ وأفْصَح؛ لأنَّ من كان في قلبه شيء فسمع مَن يقول: أقبَلَ الخيرُ، أو: أبْشِرْ، أو نحو ذلك فقد اكتفى بما سَمِعَ من الاستدلال، والذي يرى طائرًا يصيح أو ينوحُ فليسَ معه إلا الاستدلال على اليُمْنِ بالسّانح، والشؤم بالبارح، وهذا أمْر قد يكون، وقد لا يكون، والفألُ في الأعَمِّ يكون [5] .

د. الفرق بين:(الرّؤية)، و(الرّأي)، و(الرّؤيا):-

قال القرافيّ: «قال صاحب القَبَس: تقول العرب: رأيتُ رؤيةً: إذا عاينتَ ببصرك، و: رأيتُ رأيًا: إذا اعتقدتَ بقلبك، و: رأيتُ رؤيا - بالقصر: إذا عانيتَ

(1) عمدة الحُفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 3/ 1608.

(2) هو المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيبانيّ، مجد الدّين أبو السعادات الجزريّ الإربليّ المشهور بابن الأثير. بَرَعَ في العربيّة واللغة والحديث، ومن أهم كتبه: (النهاية في غريب الحديث والأثَر) ، و (جامع الأُصول في أحاديث الرسول) ، و (البديع في النحو) . (ينظر: بغية الوعاة: 2/ 274) .

(3) النهاية في غريب الحديث والأثر: 3/ 406.

(4) النهاية في غريب الحديث والأثر: 3/ 405 - 406.

(5) ينظر: مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة: 3/ 322 - 323.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت