الأوّل، و (إلاّ) كذلك، فتَشَابَها؛ لأنَّ كليهما يجمع بين النّفي والإثبات ... ويفرق بينهما: بأنّ (لكن) لا يجوز أن تدخل بعد واجب إلاّ لترك قصّة إلى قصّة تامّة، نحو قولك: جاءني زيد لكن عبد الله لم يجيء، ولو قلت: مررتُ بعبد الله لكن عمرو، لم يَجُزْ ... فإذا قلتَ: جاءني زيدٌ إلاّ عمرٌو، لم يجُزْ، إلاّ على معنى (لكنْ) .» [1] .
لقد أعدتُ قراءةَ الفقرةِ الأخيرةِ التي نقلها القرافيّ عن ابن السّرّاج (316 هـ) غيرَ مَرَّةٍ، وأجَلْتُ فيها طَرْفي، وأعْمَلْتُ فيها فكري، فلم أظفر بطائل؛ ذلك أنَّ قولَهُ: «فإذا قلتَ: جاءني زيدٌ إلاّ عمرٌو، لم يَجُزْ، إلاّ على معنى (لكنْ) » يخالف ما كان قرّره قبلَ ذلك في النّصّ المنقول نفسه من أنَّ (لكنْ) لا يجوز أن تدخل بعد واجبٍ إلاّ لِتَرْكِ قصّةٍ إلى قصّةٍ تامّةٍ، والمثالُ الذي ذَكَرَهُ بَعْدُ - وهو: جاءني زيدٌ إلاّ عمرٌو، مجيزًا إيّاه على أن تكون (إلاّ) بمعنى (لكنْ) - لا ينطبق على هذه القاعدة؛ إذ إنَّهُ يؤدّي إلى دخول (لكنْ) بعد واجب لا لترك قصّة إلى قصّة تامّة.
فلمّا رجعتُ إلى كتاب (الأُصول في النّحو) لابن السّرّاج، الذي نقل القرافيّ النّصّ منه، بان لي الأمر، وانقشع الضّباب؛ فقد اتّضح أنَّ الكلامَ هو كالآتي: «فإن قال: ما جاءَني زيدٌ إلاّ عمرًا، فلا يجوز إلاّ على معنى (لكنْ) » [2] ، فالمثال هنا منسجم مع سياق الكلام، لمجيئه منفيًّا لا واجبًا.
وممّا تجدر الإشارة إليه أنَّ ما ذكره ابن السّرّاج هنا هو مذهبُ البصريّين، أمَّا الكوفيّون فمذهبهم مخالفٌ لهم؛ قال المراديُّ (749 هـ) : «ولا تَقَعُ في الإيجاب عند البصريّين، وأجاز الكوفيّون أن يُعْطَفَ بها في الإيجاب، نحو: أتاني زيدٌ لكنْ عمرٌو.» [3] .
(1) الاستغناء في أحكام الاستثناء (في الاستثناء المنقطع) : 452.
(2) الأُصول في النّحو: 1/ 291.
(3) الجنى الدّاني في حروف المعاني: 590 - 591. وينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف: 388 - 390.