وهذا الذي رجّحه القرافيّ هو رأي سيبويه (180 هـ) [1] والجمهور؛ فـ (سوى) عندهم «ظرف مكان ملازم للنّصب، لا يَخْرُجُ عن ذلك إلاّ في الضّرورة» [2] ، أمَّا الزَّجّاجيّ (337 هـ) ، وابن مالك (672 هـ) [3] والكوفيّون، فـ (سِوى) عندهم كـ (غير) في المعنى والتّصرف [4] . واختار الدكتور فاضل السّامرّائيّ أنَّها تكون ظرفًا وغيرَ ظرفٍ، وأنّه «ليس أصلها أن تكون ظرفًا، بل معنى الظّرفيّة منقول إليها؛ وذلك أنَّ قولك: (جاءني رجلٌ سوى زيدٍ) معناه: يقوم مقامَه ويَسُدّ مَسَدَّه ويكون مكانَه وبَدَلَه، ومن هنا دَخَلَها معنى الظّرفيّة. كما أنَّهُ ليس الكثيرُ فيها أن تقع ظرفًا، بل الكثير فيها أن تقع غيرَ ظرفٍ، وقد تقع ظرفًا. وتقع استثناءً وغيرَ استثناءٍ من دون نظر إلى معنى المساواة الذي هو أصلُ معناها، بل انمحى عنها معنى المساواة وبقي فيها معنى المغايرة.» [5] .
قال القرافيّ: «قال اللّغويّونَ: (بيدَ) بمعنى (غيرَ) ؛ تقول: لم أُكْرِمْ زيدًا بَيْدَ أنّي أعطيتُهُ مالًا، تقديره: غيرَ أنّي أعطيتُهُ مالًا. ولا يصحّ الاستثناءُ بـ (بيدَ) بخلاف (غيرَ) ، كما لا يصحّ الاستثناء بـ (جاوَزَ) وإن كانت بمعنى (خلا) و (عدا) ؛ فقولك: قاموا عدا زيدًا، أي: جاوَزَ بعضُهُم زيدًا، ولو قلتَ: جاوَزَ زيدًا، لم يصحّ. قلتُ: وهذه الفروع كلّها تَقْتَضي قاعدةً جليلة، وهي أنَّ العربَ لمّا وَضَعَتِ المفرداتِ وضعتِ المركَّباتِ أيضًا، وهو مقام اختلف فيه الفضلاءُ من العلماء.» [6] .
وقول القرافيّ: «قال اللّغويّون: (بيدَ) بمعنى (غيرَ) » إنّما ذَكَرَ فيه أحَدَ معنيي (بيدَ) ، والمعنى الآخر الذي ذَكَرَ لها هو (على) ؛ قال أبو السّعادات ابن الأثير
(1) ينظر: الكتاب: 1/ 407.
(2) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 280.
(3) ينظر: شرح التّسهيل: 2/ 314.
(4) ينظر: مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 280.
(5) معاني النّحو: 2/ 700.
(6) الاستغناء في أحكام الاستثناء (في أدوات الاستثناء) : 125 - 126.