فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 462

كسمعي، وبَصَرُه كبصري، ويَدُه كقدرتي، ثم بالَغَ في التّشبيه فَحَذَفَ أداةَ التّشبيه، فقال: سمعُهُ سمعي، وبَصَرُه بصري، ويَدُه قدرتي، ثم عكس مبالغةً، فقال: كان سمعي سمعه، وبصري بصره، وقدرتي يده، ثمّ حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامَهُ. وإذا حُذِفَ السّمعُ من قوله: (سمعي) ، لم يبقَ إلا الياءُ، والياءُ ضميرٌ مخفوضٌ لا يَصْلُحُ أن يكونَ اسمَ (كان) ، فعُوِّضَتْ بالتّاءِ المرفوعةِ التي تصلح أن تكون اسمَ (كان) ، فقال: كنتُ سَمْعَه، وبَصَرَه، ويَدَه. ومعنى حصول الشَّبَه: أنَّ سَمْعَ العبدِ يَصيرُ مُشَبهًا بسمع الله تعالى من جهةِ أنَّهُ مخالفٌ لمجرى العادةِ، كما اتَّفَقَ ... وجاءَتْ يَدُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خلافِ مجرى العادةِ في رَمْيهِ بِكَفٍّ من حصًى، فعميتْ جُيوشُ الكفّار [1] . فهذا وجهُ المشابهة، ومعنى الحديث، وهو مبنيٌّ على هذهِ القواعدِ من التّشبيه، فلِجَهْلِهِم بها وَقعُوا في الكفر والإلحاد.» [2] .

وقد وَهم القرافيّ في عزوهِ الحديثَ الذي ذَكَرَهُ إلى صحيح مسلم؛ فقد تَفَرَّدَ البخاريّ بإخراجه في صحيحه دونَ مُسلمٍ وأصحابِ السُّنَنِ الأربعةِ، وإنّما رواه أيضًا مَعَهُ أبو نُعَيم في (حلية الأولياء) ، والبيهقيُّ في (الزُّهْدِ) و (السُّنن) ، والبَغَوِيُّ في (شرح السُّنَّة) [3] .

ط. الفرقُ بينَ:(بينَ الأيدي)، و(وراءَ):-

قال القرافيّ: «وقع في القرآنِ (بينَ الأيدي) ، والمرادُ به الماضي، وتقريرُهُ: أنَّ الداخلَ الموجودَ كالعابِرِ لدربٍ؛ فالدّاخلُ قَبْلَه يكونُ بَين يديه، والدّاخلُ بعدَه يكون وراءَه، والماضي بالنّسبة إلينا دَخَلَ قبلَنَا، والمستقبلُ يَدْخُلُ بعدَ دخولِنا، فلذلك عَبَّرَ عن الماضي أبدًا بما بين الأيدي، وعن المستقبل بأنَّهُ وراءَنا؛ فمن ذلك: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ} (فصلت: 42) ، أي: من الكتب الماضية، {وَلا مِنْ خَلْفِهِ}

(1) كان ذلك في غزوة بدر الكبرى؛ إذ روى عروة وقتادة أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - رمى الحصى في وجوه المشركين. (ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 4/ 30 - 31، و: السيرة النبويّة الصحيحة: 2/ 363) .

(2) نفائس الأُصول في شرح المحصول (في أنَّ المجاز يتوقّف على السمع) : 2/ 928 - 929.

(3) ينظر: صحيح البخاريّ ومعه فتح الباري: 11/ 414، و: جامع العلوم والحِكَمَ في شَرح خمسينَ حديثًا من جوامع الكَلِم: 2/ 330.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت