وقد تطرَّق شيخ الإسلام زكريّا الأنصاريّ (926 هـ) [1] إلى الفرق بين الآيتين، فقال: «قوله تعالى: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} (مريم: 15) ، قاله هنا في قصّة يحيى مُنَكَّرًا، وقال بعدُ في قصّة عيسى: {وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ} (مريم: 33) مُعَرَّفًا؛ لأنَّ الأوّل من الله، والقليل منه كثير، والثاني من عيسى.» [2] .
وذكر ابن قيِّم الجوزيَّة (751 هـ) أنَّ سبب تنكير السّلام هو أنَّ «المتكلِّم بالسّلام هو الله تعالى؛ فلم يَقصد تبركًا بذكر الاسم كما يقصده العبد ... ولا قَصَدَ العمومَ، وهو أيضًا غير لائق هنا؛ لأنَّ سلامًا منه سبحانه كافٍ من كلّ سلام، ومغنٍ عن كلّ تحيّة، ومُقَرِّب من كلّ أُمنية، فأدنى سلام منه - ولا أدنى هناك - يستغرق الوصف، ويُتمّ النعمة، ويَدْفع البؤس، ويُطيب الحياة، وَيقطع موادّ العطب والهلاك، فلم يكن لذكر الألف واللام هناك معنًى.» [3] .
قال القرافيّ: «إذا قلنا: (البيع المُطْلَق) ، فقد أدخلنا الألف واللام على البيع، فحصل بسبب ذلك العمومُ الشاملُ لجميع أفراد البيع، بحيث لم يبقَ بيعٌ إلاّ دَخَلَ فيه، ثم وصفناه بعدَ ذلك بالإطلاق؛ بمعنى أنَّهُ لم يقيَّد بقيد يوجب تخصيصه، مِن شرطٍ أو صفةٍ أو غير ذلك من اللواحق للعموم ممّا يوجب تخصيصه، فيبقى على عمومه، فيتحصّلُ أنَّ البيع المطلق لم يدخله تخصيص مع عمومه في نفسه. أمَّا إذا قلنا: (مطلق البيع) ، فقد أشرنا بقولنا: (مطلق) إلى القدر المشترك بين أنواع جميع البياعات، وهو مُسَمّى البيع الذي يَصْدُق بفرد من أفراده، ثم أضفنا هذا المطلق
(1) هو زَين الدّين أبو يحيى زكريّا بن محمد بن زكريّا الأنصاريّ الخزرجيّ المصريّ الشّافعيّ. بَرَعَ في الفقه والأُصول والقراءات والحديث، ومن أهم كتبه: الحدود الأنيقة والتّعريفات الدقيقة، وحاشية على شرح جمع الجوامع في أُصول الفقه، والدّرر السّنيّة في شرح الألفيّة، وشرح المنهاج للبيضاويّ، وفتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن. (ينظر: مقدمة تحقيق كتاب الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة: 9 - 46) .
(2) فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن: 352.
(3) بدائع الفوائد: 2/ 650 - 651.