ولكن يبقى الأصلُ في (الحَسَب) رجوعَهُ إلى ما يَخْتَصُّ به الشخصُ من الصفات الكريمة كما قال القرافيّ مُؤَيّدًا ما ذَكَرَه الراغب الأصفهانيّ (425 هـ) في الفرق بين الحَسَب والشَّرَف قائلًا: «وأمَّا الحَسَبُ، فقد يُقال فيما يَخْتَصّ الإنسانُ به، فيَعُدهُ من مآثره، وقد يُقال فيما يُؤْثَر عن آبائه. والشَّرَفُ نَحْوُهُ، لكن أكثر ما يُقال فيما يُؤْثَرُ عن الآباء» [1] .
قال القرافيّ: «إنَّ الحَيْضَ والمَحِيْضَ مُجْتَمَعُ الدّم، ومنه الحَوْضُ لاجتماع الماء فيه، وهو مُشْكِل؛ لأنَّ الحَوْضَ من ذواتِ الواوِ، والحَيْض من ذواتِ الياءِ، فهما متباينان، ولذلك جَعَلَهُما صاحبُ (الصحاح) في بابين.» [2] .
وممَّن جَعَلَ (الحَوْضَ) و (الحَيْضَ) في بابينِ اثنينِ: ابنُ فارس (395 هـ) [3] ، وقد كان المُتَوَقَّعُ أن يجعلَهما في باب واحد، لحِرْصِهِ في كتابه (معجم مقاييس اللغة) على رَصْدِ الدّلالة المحوريَّة التي يَدورُ في فَلَكِها مختلفُ الموادّ التي تشترك في أصلِ المعنى وفي الاشتقاق. ولَعَلَّ تَنَكُّبَ ابن فارس سبيلَ تجريدِ المعنى لدى صياغة بعض الدلالات المحوريّة للجذور أدّى إلى حصول التعدُّد فيها أحيانًا، كما في حالة مادّتَي (الحَوْض) و (الحَيْض) [4] .
والأْولى - عندي - رَجْعُ المادَّتَيْنِ إلى دلالة أصليّة واحدة؛ يقول السَّمينُ الحلبيّ (756 هـ) : «وأصْلُ الحَيْض: السَّيَلانُ والانفجار؛ يقال: حاضَ السَّيْلُ وفاضَ؛ قال الفرّاء: حاضت الشّجرةُ، أي: سال صمغُها. قال الأزهريّ: (ومن هذا قيل للحوض: حَيْضٌ؛ لأنّ الماء يسيلُ إليه) .
(1) الذريعة إلى مكارم الشريعة: 146.
(2) الذّخيرة (كتاب الطهارة، في الحيض) : 1/ 371.
(3) ينظر: معجم مقاييس اللُّغة: 2/ 120، و: 2/ 124.
(4) ينظر: الدلالة المحورية في معجم مقاييس اللُّغة: 63.