ليسَ المرادُ الإذنَ لهم بعملِ ما يريدون، بل المراد التخويف. وأمَّا قولُهُ تعالى: {قُلْ تَمَتَّعوا} ، فإنَّهُ إبلاغٌ بطريق التخويفِ، وجاءَ اللّفظ بصيغة الأمر ليكونَ أوْقَعَ في النفوسِ [1] .
قال القرافيّ: «قال المنكرون للترادف: ... الإنسان والبَشَر متباينان؛ فالإنسان: من النسيان، لقول الشاعر:
وسُمِّيْتَ إنسانًا لأنّكَ ناسي
ويعضدُهُ قولُهُ تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} (طه: 115) ، فسُميَّيتْ ذرّيّتُه بذلك. وقيل: من الأُنس؛ لأنّه يُتَأنَّسُ به، ويَأْنَسُ بعضُهُ ببعض ما لا يأنَسُ غيرُهُ من الحيوان بعضُهُ ببعض. وقيل: من النَّوْس الذي هو الحركةُ، وعلى هذا سُمِّيَ الجانُّ بالناس، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} (الناس: 6) . هذه ثلاثة أقوال في اشتقاقه، فهو اسمُ صفةٍ.
والبَشَرُ من البَشْرِ، وقولُ العربِ: بَشَرَ يَبْشُرُ بَشْرًا، إذا انتشر وسَوِيَ، والإنسان قد سَوِيَتْ ظواهر أعضائه. ومنه قوله عليه الصّلاة والسلام: «خَلِّلوا الشَّعْرَ، وأنْقُوا البَشَرَ» [2] ، أي: أنقوا ظواهر أجسادكم، فعلى هذا هو اسمُ صِفِةٍ، أو نجعله اسمَ الذاتِ، والأول اسمَ صفةٍ.» [3] .
وقد اعتَمَدَ الفرقُ الذي ذكره القرافيّ هنا أحدَ الأُسس التي ذكرها أبو هلال العسكريّ (400 هـ) ، وهو اعتبار الاشتقاق لمعرفة الأُصول التي ترجع إليها الكلمات التي ظاهِرُها الترادف، للوقوف من ثَمَّةَ على أوجه الفروق بينها.
فأمّا (الإنسان) ، فقد ذَكَرَ أبو البركات الأنباريّ (577 هـ) أنًّ من ذَهَبَ إلى أنَّهُ من النسيان الكوفيّون؛ فذكروا أنَّ وزنَهُ (إفْعان) ، وأصله (إنسِيَان) على (إفْعِلان) ،
(1) ينظر: الأمر ودلالته على الأحكام الشرعية: 58 - 59.
(2) روى هذا الحديثَ أبو داودَ (275 هـ) في سُنَنِهِ (الحديث رقم 248) ، والتِّرْمِذِيُّ (279 هـ) في جامعه (الحديث رقم 106) ، ونَصُّهُ عند أبي داود: «إن تحتَ كلّ شَعْرةٍ جنابةً؛ فاغسِلوا الشَّعْرَ، وأنْقوا البَشَرَ» .
(3) نفائس الأُصول في شرح المحصول (في إثبات الترادف) : 2/ 720 - 721.