يُعَرِّفُ أمين الخوليّ التجديد بأنَّهُ «حركة دائمة متصلةٌ ما اتَّصلتِ الحياةُ» [1] . ويُعَرِّفُهُ غيرُهُ بقوله: «التجديدُ يعني جَعْلَ الشيءِ جديدًا» ، وهذا يعني «إعادةَ نضارتِهِ ورونقِهِ وبهائِهِ» [2] . وهذه المعاني ليست بعيدةً عمَّا جاءَ به القرافيّ في حركته الدائبة لِبَثِّ الحياة في الكثير من زوايا العلم المنسيّة، ونَفْخِ الرّوح فيها.
ولو أخذنا كتاب (الاستغناء) مثالًا نلتمسُ فيه وُجوهَ التجديد، لوجدنا الكثيرَ منها، ولعلّ أوَّل ما يَجْبَهُنَا منها موضوعُ الكتاب نفسه؛ إذ لا يُعْلَمُ أنَّ أحدًا «قبلَ القرافيّ ألَّفَ كتابًا مستقلًّا بَسَطَ فيه موضوعَ الاستثناء كما فَعَلَ هو. وقد كان هذا الموضوع يأخذ حيزًا صغيرًا أو غيرَ صغير في كتب النّحو، وكان الأُصوليّون يُفْرِدون له مبحثًا في كُتُبهم؛ لأنَّ الاستثناءَ عندهم من أدلّة تخصيص العموم» [3] . «إنَّ تخصيصَ كتاب في الاستثناء؛ يجمع شَمْلَه، ويقرِّر قواعِدَهُ، ويوضح معالمه، ويُفَصِّلُ الخلافَ فيه، من الأهمّيّة بمكان؛ ذلك لتداخُل مسائله، وتوزُّع دراسته في كُتُب النّحو، والبلاغة، والتفسير، والأُصول» [4] ، فلو لم يكن للكتاب نَصيبٌ من التجديد سوى فكرة موضوعه المبتكرة، لكفى بها نصيبًا.
ولكنِّي أوَدُّ هنا أن أَلْفِتَ النظرَ إلى توجّه تجديديّ في الكتاب له وشيجَةُ قُربى بالفروق اللّغويّة، وهو حرص المؤلِّف «على أن يَشْمَلَ كتابُهُ جُلَّ آيات القرآن الكريم المشتملة على الاستثناء، بحيث بلغ مجموعُها أكثرَ من (450) آية، ماعدا المكرر منها، وهو كثير ... ، وهو بهذا ينفرد عن الآخَرينَ في أنَّهُ ركّز على الذكر الحكيم، واستنباط قواعد من لدنه» [5] . وقد أكَّد ذلك في مقدّمة كتابه قائلًا: «حتّى لا أكاد أترك
(1) المجدّدون في الإسلام: 16.
(2) التّجديد في الإسلام: 39.
(3) القسم الدّراسي من تحقيق كتاب الاستغناء: 70.
(4) القسم الدّراسي من تحقيق كتاب الاستغناء: 71.
(5) القسم الدّراسي من تحقيق كتاب الاستغناء: 86.